تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24.22

تورط في حادثة الإفك جماعة من أفاضل الصحابة ممن طبع على الخير، لكنه فتن بما قيل وانساق خلف من روجوا لهذه الإشاعة، وكان من هؤلاء مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر ينفق عليه ويرعاه لفقره، فلما قال في عائشة ما قال وخاض في حقها أقسم أبو بكر ألا ينفق عليه، وقد كان يعيش وأهله في سعة أبي بكر وفضله لأن هذه الفتنة جعلت بعض أهل الخير يضن به. وهذا نموذج لمن ينكر الجميل ولا يقدر صنائع المعروف، وهذا الفعل يزهد الناس في الخير، ويصرفهم عن عمل المعروف، والله تعالى يريد أن يصحح لنا هذه المسألة، فهذه نظرة لا تتفق وطبيعة الإيمان لأن الذي يعصي الله فيك لا تكافئه إلا بأن تطيع الله فيه. وحين تترك من أساء إليك لعقاب الله وتعفو عنه أنت، فإنما تركته للعقاب الأقوى لأنك إن عاقبته عاقبته بقدرتك وطاقتك، وإن تركت عقابه لله عاقبه بقدر طاقته تعالى وقدرته. إذن: العافي أقسى قلبا من المنتقم، وسبق أن مثلنا لذلك بالأخ حين يعتدي على أخيه الأصغر، فيأتي الأب فيجد صغيره مهانا مظلوما، فيأخذه في حضنه، ويحاول إرضاءه وتعويضه عما لحقه من ظلم أخيه، كذلك الحال في هذه المسألة ولله المثل الأعلى. ومن هنا يجب عليك أن تسر بمن جعل الله في جانبك، وتحسن إليه، لا أن ترد له الإساءة بمثلها. إذن: نزلت هذه الآية في مسطح بن أثاثة حين أقسم أبو بكر ألا ينفق عليه وعلى أهله، وأن يمنع عنه عطاءه وبره، نزلت لتصحح للصديق هذه النظرة وتوجه انتباهه إلى جانب الخير الباقي عند الله لا عند الناس. فقال تعالى: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة.. ﴾ [النور: 22]. ﴿ يأتل.. ﴾ [النور: 22] ائتلى مثل اعتلى تماما، ومنها تألى يعني: حلف وأقسم، يوجه الحق - تبارك وتعالى - الصديق أبا بكر، ويذكر لفظ ﴿ أولوا.. ﴾ [النور: 22] الدال على الجماعة لتعظيمه لما له من فضل ومنزلة في الإسلام، ففي كل ناحية له فضل لذلك أعطاه وصفين مثل ما أعطى للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال للصديق: ﴿ وليعفوا وليصفحوا.. ﴾ [النور: 22] وقال للنبي صلى الله عليه وسلم:

فاعف عنهم واصفح..

[المائدة: 13]. كذلك، ألا ترى الصديق ثاني اثنين في الغار، وثاني اثنين في أمور كثيرة، فهو ثاني اثنين في الهجرة، وثاني اثنين في قبول دعوة الإسلام الأولى لذلك صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عن الصديق:

" " كنت أنا وأبو بكر في الجاهلية كفرسي رهان ". يعني: في التسابق في الخير " فسبقته إلى النبوة فاتبعني، ولو سبقني إليها لاتبعته " ".

ولما كان لأبي بكر أفضال كثيرة في زوايا متعددة لم يخاطبه بصيغة المفرد، إنما بصيغة الجمع تكريما وتعظيما. ألا ترى الصديق مع ما عرف عنه من الحلم ورقة القلب لما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وحدثت مسألة الردة يقف ويقول: " والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونها لرسول الله لجالدتهم بالسيف، لو لم أجد إلا الذر ". هذا موقف الصديق رقيق القلب، لين الجانب، صاحب الرحمة والحنان، الذي تقول عنه ابنته " إنه رجل بكاء " يعني: كثير البكاء. في حين يعارضه في أمر الحرب عمر مع ما عرف عنه من الشدة والقسوة على الكفار. لكن هذا التناقض في موقف كل منهما يقوم دليلا على أن الإسلام ليس طبعا غالبا على المسلم إنما موقف يعود المسلم إليه، فموقف الردة هو الذي جعل من الصديق أسدا شجاعا قاسي القلب، ولو أن عمر في مكانه من المسئولية وفعل كما فعل الصديق لقالوا: شدة ألفها الناس من عمر. فكأن الإسلام لا يريد أن يطبع المسلم على طبع خاص يظل عليه، إنما الموقف هو الذي يطبعك إيمانيا، وهذا ما ذكرناه في قوله تعالى:

محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٤٥