تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

24.55

في أول الحديث عن سورة النور قلنا: إنها سميت بالنور لأنها تبين للناس النور الحسي في الكون، وتقيس عليه النور المعنوي في القيم، وما دمنا نطفىء أنوارنا الحسية حين يظهر نور الله في الشمس، يجب كذلك أن نطفىء أنوارنا المعنوية حين يأتينا شرع من الله. فليس لأحد رأي مع شرع الله ذلك لأن الخالق - عز وجل - يريد لخليفته في الأرض أن يكون في نور حسي ومعنوي، ثم ضمن له مقومات بقاء حياته بالطعام والشراب شريطة أن يكون من حلال حتى تبنى خلاياه وتتكون من الحلال فيسلم له جهاز الاستقبال عن الله وجهاز الإرسال إن أراد الدعاء. وفي الحديث الشريف:

" أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿ يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم ﴾ وقال: ﴿ يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم.. ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟ ".

فهذه أجهزة معطلة خربة أشبه ما تكون بالراديو الذي لا يحسن استقبال ما تذيعه محطات الإذاعة، فالإرسال قائم يستقبله غيره، أما هو فجهاز استقباله غير سليم. فإذا ضمنت سلامة تكوينك بلقمة الحلال ضمن الله لك إجابة الدعاء، وفي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه:

" أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ".

ثم ضمن الله للإنسان مقومات بقاء نوعه بالزواج لاستمرار الذرية لتستمر الخلافة في الأرض طاهرة نظيفة، ثم تحدثت السورة محذرة إياكم أن تجترئوا على أعراض الناس، أو ترموا المحصنات، أو تدخلوا البيوت دون استئذان، حتى لاتطلعوا على عورات الناس.. إلخ. فالحق - سبحانه وتعالى - يريد سلامة المجتمع وسلامة الخلافة في الأرض، وكل هذه الأحكام والمعاني تصب في هذه الآية: ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض.. ﴾ [النور: 55]. فمن فعل ذلك كان أهلا للخلافة عن الله، إنها معركة ابتلاءات وتمحيص تبين الغث من السمين، ألا ترى المسلمين الأوائل كيف كانوا يعذبون ويضطهدون، ولا يجرؤ أحد على حمايتهم حتى اضطروا للهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وقد قال تعالى:

أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون

[العنكبوت: 2]. وهؤلاء الصحابة هم الذي حملوا للدنيا مشاعل الهداية، وساحوا بدعوة الله في أنحاء الأرض، فلا بد أن يربوا هذه التربية القاسية، وأن يمتحنوا كل هذا الامتحان، وهم يعلمون جيدا ثمن هذه التضحية وينتظرون ثوابها من الله، فأهل الحق يدفعون الثمن أولا، أما أهل المبادىء الباطلة فيقبضون الثمن أولا قبل أن يتحركوا في اتجاه مبادئهم.

وهذا الابتلاء الذي عاشه المسلمون الأوائل هو من تنقية الخليفة ليكون أهلا لها. لذلك قال سبحانه: ﴿ وعد الله.. ﴾ [النور: 55] والوعد: بشارة بخير لم يأت زمنه بعد، حتى يستعد الناس بالوسيلة له، وضده الوعيد أو الإنذار بشر لم يأت زمنه بعد، لتكون هناك فرصة للاحتياط وتلافي الوقوع في أسبابه. وما دام الوعد من الله تعالى فهو صدق، كما قال سبحانه:

ومن أصدق من الله قيلا

[النساء: 122] وقال سبحانه:

ومن أوفى بعهده من الله

[التوبة: 111]. والذي يفسد على الناس وعودهم، ويجر عليهم عدم الوفاء أن الإنسان متغير بطبعه متقلب، فقد يعد إنسانا بخير ثم يتغير قلبه عليه فلا يفي له بما وعد، وقد يأتي زمن الوفاء فلا يقدر عليه، أما الحق - تبارك وتعالى - فلا يتغير أبدا، وهو سبحانه قادر على الوفاء بما وعد به، فليست هناك قوة أخرى تمنعه، فهو سبحانه واحد لا إله غيره لذلك فوعده تعالى ناجز. ﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات.. ﴾ [النور: 55] قلنا: إن الإيمان الذي يقوم على صفاء الينبوع والعقيدة ليس مطلوبا لذاته، إنما لا بد أن تكون له ثمرة، وأن يرى أثره طاعة وتنفيذا لأوامر الله، فطالما آمنت بالله فنفذ ما يأمرك به، وهناك من الناس من يفعل الخير، لكن ليس من منطلق إيماني مثل المنافقين الذين قال الله فيهم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٨٢