24.63
قوله سبحانه: ﴿ لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم كدعآء بعضكم بعضا.. ﴾ [النور: 63] فأنتم يدعو بعضكم بعضا في مسألة خاصة، لكن الرسول يدعوكم لمسألة عامة تتعلق بحركة حياة الناس جميعا إلى أن تقوم الساعة. أو: أن الدعاء هنا بمعنى النداء يعني: يناديكم الرسول أو تنادونه لأن لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم آدابا يجب مراعاتها، فهو ليس كأحدكم تنادونه: يا محمد، وقد عاب القرآن على جماعة لم يلتزموا أدب النداء مع رسول الله، فقال:
إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم لا يعقلون
[الحجرات: 4]. فأساءوا حين قالوا: يا محمد، ولو قالوا حتى: يا أيها الرسول فقد أساءوا لأنه لا يصح أن يتعجلوا رسول الله، ويجب أن يتركوه على راحته، إن وجد فراغا للقائهم خرج إليهم، إذن: أساءوا من وجهين. ولا يليق أن نناديه صلى الله عليه وسلم باسمه: يا محمد. لأن الجامع بين الرسول وأمته ليس أنه محمد، إنما الجامع أنه رسول الله، فلا بد أن نناديه بهذا الوصف. ولم لا وربه عز وجل وهو خالقه ومصطفيه قد ميزه عن سائر إخوانه من الرسل، ومن أولي العزم، فناداهم بأسمائهم:
يآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة..
[البقرة: 35]. وقال:
ينوح اهبط بسلام منا..
[هود: 48]. وقال:
يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ..
[الصافات: 104-105]. وقال:
يموسى إني أنا الله..
[القصص: 30]. وقال:
يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس..
[المائدة: 116]. وقال:
يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض..
[ص: 26]. لكن لم يناد رسول الله صلى الله عليه وسلم باسمه أبدا، إنما يناديه ب " يأيها " الرسول، يأيها النبي. فإذا كان الحق - تبارك وتعالى - لم يجعل دعاءه للرسول كدعائه لباقي رسله، أفندعوه نحن باسمه؟ ينبغي أن نقول: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا رسول الله، يا نبي الله، فهذا هو الوصف اللائق المشرف. وكما نميز دعاء رسول الله حين نناديه، كذلك حين ينادينا نحن يجب أن نقدر هذا النداء، ونعلم أن هذا النداء لخير عام يعود نفعه على الجميع. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ [النور: 63]. لا شك أن الذين يستأذنون رسول الله فيهم إيمان، فيراعون مجلس رسول الله، ولا يقومون إلا بإذنه، لكن هناك آخرون يقومون دون استئذان: ﴿ يتسللون.. ﴾ [النور: 63] والتسلل: هو الخروج بتدريج وخفية كأن يتزحزح من مكان لآخر حتى يخرج، أو يوهمك أنه يريد الكلام مع شخص آخر ليقوم فينسلت من المجلس خفية، وهذا معنى { يتسللون منكم لواذا.
. } [النور: 63] يلوذ بآخر ليخرج بسببه. ويحذر الله هؤلاء: ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره.. ﴾ [النور: 63] والتحذير إنذار بالعاقبة السيئة التي تترتب على الانسحاب من مجلس رسول الله، كأنه يقول لهم: قارنوا بين انسحابكم من مجلس الرسول وبين ما ينتظركم من العقاب عليه. وقال: ﴿ يخالفون عن أمره.. ﴾ [النور: 63] لا يخالفون أمره، فجعل في المخالفة معنى الإعراض، لا مجرد المخالفة، فالمعنى: يعرضون عنه. والأمر: يراد به فعل الأمر أو النهي أو الموضوع الذي نحن بصدده يعني: ليس طلبا، وهذا المعنى هو المراد هنا: أي الموضوع الذي نبحثه ونتحدث فيه، فانظروا ماذا قال رسول الله ولا تخالفوه ولا تعارضوه لأنه وإن كان بشرا مثلكم إلا أنه يوحى إليه. لذلك يحدد الرسول صلى الله عليه وسلم مركزه كبشر وكرسول، فيقول:
" يرد علي - يعني من الحق الأعلى - فأقول: أنا لست كأحدكم، ويؤخذ مني فأقول: ما أنا إلا بشر مثلكم ".
لذلك كان الصحابة يفهمون هذه المسألة، ويتأدبون فيها مع رسول الله، ويسألونه في الأمر: أهو من عند الله قد نزل فيه وحي، أم هو الرأي والمشورة؟ فإن كان الأمر فيه وحي من الله فلا كلام لأحد مع كلام الله، وإن كان لم يرد فيه من الله شيء أدلى كل منهم برأيه ومشورته. وهذا حدث فعلا