تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا البحار سجرت

[التكوير: 6] فصدق هذه الآية الغيبية لأنك شاهدت نموذجا لها في مسألة البرق. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ يقلب الله اليل والنهار... ﴾.

24.44

فالليل والنهار آيتان يتتابعان لكن دون رتابة، فالليل قد يأخذ من النهار، والنهار يأخذ من الليل، وقد يستويان في الزمن تماما. ومن تقليب الليل والنهار ما يعتريهما من حر أو برد أو نور وظلمة. إذن: فالمسألة ليست ميكانيكية رتيبة، إنما هي قيومية الله تعالى وقدرته في تصريف الأمور على مراده تعالى لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿ إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ﴾ [النور: 44]. العبرة والعبرة والعبور والتعبير كلها من مادة واحدة، نقول: هذا مكان العبور يعني الانتقال من جهة إلى جهة أخرى، وفلان عبر عن كذا، يعني: نقل الكلام النفسي إلى كلام باللسان، والعبرة أن ننظر في الشيء ونعتبر، ثم ننتقل منه إلى غيره، وكذلك العبرة لأنها حزن أسال شيئا، فنزل من عيني الدمع. والعبرة هنا لمن؟ ﴿ لأولي الأبصار ﴾ [النور: 44] والمراد: الأبصار الواعية لا الأبصار التي تدرك فقط، والإنسان له إدراكات بوسائلها، وله عقل يستقبل المدركات ويغربلها، ويخلص منها إلى قضايا، ومن الناس من يبصر لكنه لا يرى شيئا ولا يصل من رؤيته إلى شيء، ومنهم أصحاب النظر الواعي المدقق، فالذي اكتشف قوة البخار رأى القدر وهي تغلي وتفور فيرتفع عليها الغطاء، وهذا منظر نراه جميعا الرجل والمرأة، والكبير والصغير، لكن لم يصل أحد إلى مثل ما وصل إليه. إذن: المراد الأبصار التي تنقل المبصر إلى العقل ليحلله ويستنبط ما فيه من أسباب، لعله يستفيد منها بشيء ينفعه، والله تعالى قد خلق في الكون ظواهر وآيات لو تأملها الإنسان ونظر إليها بتعقل وتبصر لاستنبط منها ما يثري حياته ويرتقي بها. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ والله خلق كل دآبة من مآء فمنهم من يمشي على بطنه... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩٧٣