وعوراء جاءت من أخ فرددتها
بسالمة العينين طالبة عذرا
يعني: كلمة قبيحة لم أرد عليها بمثلها، إنما بسالمة لا عين واحدة، بل بسالمة العينين الاثنين. ثم يقول سبحانه: ﴿ ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن.. ﴾ [النور: 58] يعني: بعد هذه الأوقات: لا إثم ولا حرج عليكم، ولا على المماليك، أو الصغار أن يدخلوا عليكم، ففي غير هذه الأوقات يجلس المرء مستعدا لممارسة حياته العادية، ولا مانع لديه من استقبال الخدم أو الأطفال الصغار دون استئذان لأن طبيعة المعيشة في البيوت لا تستغني عن دخول هؤلاء وخروجهم باستمرار. لذلك قال تعالى بعدها: ﴿ طوفون عليكم بعضكم على بعض.. ﴾ [النور: 58] يعني: حركتهم في البيت دائمة، دخولا وخروجا، فكيف نقيدها في غير هذه الأوقات؟ ﴿ كذلك يبين الله لكم الأيت.. ﴾ [النور: 58] أي: بيانا واضحا، حتى لا يحدث في المجتمع تناقضات فيما بعد ﴿ والله عليم.. ﴾ [النور: 58] بكل ما يصلح الخلافة في الأرض ﴿ حكيم ﴾ [النور: 58] في تشريعاته وأوامره، لا يضع الحكم إلا بحكمة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم... ﴾.
24.59
الطفل حين كان طفلا لم يبلغ الحلم كان يدخل دون استئذان في غير هذه الأوقات، فإن بلغ الحلم فعليه أن يستأذن، لا نقول: إنه تعود الاستئذان في هذه الأوقات فقط، لا، إنما عليه أن يستأذن في جميع الأوقات فقد شب وكبر، وانتهت بالنسبة له هذه الحالة. وبلوغ الحلم أن ينضج الإنسان نضجا يجعله صالحا لإنجاب مثله، فهذه علامة اكتمال تكوينه، وهذا لا يتأتى إلا باستكمال الغريزة الجنسية التي هي سبب النسل والإنجاب، ومثلنا ذلك بالثمرة التي لا تحلو إلا بعد نضجها، فإن تركتها بعد النضج سقطت من نفسها، وهذه آية من آيات الله لبقاء النوع، فلو أكلنا الثمرة قبل نضجها لا تنبت بذرتها وينقرض نوعها، فمن حكمة الله في الخلق ألا تحلو الثمرة إلا بعد النضج. كذلك الولد حين يبلغ يصبح صالحا للإنجاب، ونقول له: انتهت الرخصة التي منحها لك الشرع، وعليك أن تستأذن في جميع الأوقات. لذلك يقول تعالى في موضع آخر:
أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النسآء..
[النور: 31]. وجاء بالطفل بصيغة المفرد لأن الأطفال في هذه السن لم تتكون لديهم الغريزة، وليست لهم هذه الميول أو المآرب، فكأنهم واحد، أما بعد البلوغ وتكون الميول الغريزية قال: ﴿ الأطفال.. ﴾ [النور: 59] لأن لكل منهم بعد البلوغ ميوله وشخصيته وشطحاته. وقوله: ﴿ كما استأذن الذين من قبلهم.. ﴾ [النور: 59] أي: من الكبار الذين يستأذنون في كل الأوقات ﴿ كذلك.. ﴾ [النور: 59] أي: مثل ما بينا في الاستئذان الأول ﴿ يبين الله لكم آياته.. ﴾ [النور: 59] لأنه سبحانه ﴿ عليم.. ﴾ [النور: 59] بما يصلحكم ﴿ حكيم ﴾ [النور: 59] لا يشرع لكم إلا بحكمة. ثم يقول سبحانه: ﴿ والقواعد من النسآء اللاتي لا يرجون نكاحا... ﴾.