والجلد ضرب بكيفية خاصة، بحيث لا يقطع لحما ولا يكسر عظما لأن الضربة حسب قوتها وحسب الآلة المستخدمة في الضرب، فمن الضرب ما يكسر العظم ولا يقطع الجلد، ومنه ما يقطع الجلد ولا يكسر العظم، ومنه ما يؤلم دون هذا أو ذاك. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله.. ﴾ [النور: 2] تحذير من الرحمة الحمقاء، الرحمة في غير محلها، وعلى حد قول الشاعر:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما
فليقس أحيانا على من يرحم
فالرأفة لا تكون في حدود الله، ارأفوا بهم في مسائلكم الخاصة فيما بينكم، وعجيب أن تدعوا الرأفة في مسائل الحدود وأنتم من ناحية أخرى تضربون وتسرقون أموال الناس، وتنتهكون حرماتهم، وتثيرون بينهم الفتنة والحروب، فأين الرأفة إذن؟ إذن: لا مجال للرحمة وللرأفة في حدود الله، فلسنا أرحم بالخلق من الخالق، وما وضعت الحدود حبا في تعذيب الناس، إنما وضعت وشدد عليها لتمنع الوقوع في الجريمة التي تستوجب الحد، فقطع يد واحدة تمنع قطع آلاف الأيدي. والذين يتهمون الإسلام بالقسوة والبشاعة في تطبيق الحدود أنسوا ما فعلوه في هيروشيما، وما زالت آثاره حتى الآن؟ أنسوا الحروب التي يشعلونها في أنحاء العالم، والتي تحصد آلاف الأرواح؟ أهي الرحمة الحمقاء التي لا معنى لها؟ أم هي الكراهية لحدود الله؟ ونذكر في الماضي أنه كان يخرج مع فوج الحجيج قوة حماية وحراسة من الجيش، تحمي الحجيج من قطاع الطرق، وكانوا يسمون بعثة الحج هذه المحمل، فلما أقامت السعودية حكم الله وطبقت الحدود أمنت الطرق، واستغنى الناس عن هذه الحراسات مع اتساعها وتشعب طرقها ووعورتها بين الجبال والوديان والصحاري الشاسعة التي لا يمكن أن تحكمها أو تحرسها عين بشر، لا بد لها من تقنين الخالق عز وجل. ومع ذلك حين أحصوا الأيدي التي قطعت وجدوها قليلة جدا، وأغلبها من خارج المملكة - وأذكر أنني قلت مرة في خطبة عرفة: ارجعوا إلى حكامكم وقولوا لهم: اقطعوا يد السارق، فالذي لا يقطع يد السارق في نيته أن يسرق لذلك يخاف على يده، فحين تذكر له مسألة قطع يد السارق ترتجف يده. والذين يعارضون حدود الله هم أنفسهم يسيرون على مبدأ أن هلاك الثلث جائز لإصلاح الثلثين، لكن تقف حدود الله غصة في حلوقهم. والجلد مائة جلدة يخص الزاني غير المحصن يعني غير المتزوج، أما المتزوج فله حكم آخر لم يأت في كتاب الله، إنما أتى في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لأن القرآن الكريم ليس كتاب منهج فقط، إنما كتاب منهج ومعجزة ومعه أصول، من هذه الأصول أنه قال في آية من آياته: إننا وكلنا رسول الله في أن يشرع للناس.
والحكم الذي يؤخذ من القول عرضة لأن نتمحك فيه ونقف أمامه نقلب ألفاظه أو نؤوله، أما إن أخذ الحكم من فعل المشرع، فليس فيه شك أو تمحك، وليس قابلا للتأويل لأنه فعل، وقد فعل الرسول ورجم الزاني والزانية المحصنين في قصة ماعز والغامدية، لأنه مفوض من الله. ولا بد أن نفرق بين الحدين، ففي حد الأمة إن زنت يقول تعالى:
فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب..
[النساء: 25] البعض فهم من الآية أنها تشمل حدي الرجم والجلد، فقالوا: في الجلد يمكن أن تجلد خمسين جلده، لكن كيف نجزىء الرجم؟ وما دام الرجم لا يجزأ فليس عليها رجم. ولو تأمل هؤلاء نص الآية لخرجوا من هذا الخلاف، فالحق سبحانه وتعالى لم يقل
فعليهن نصف ما على المحصنات..
[النساء: 25] وسكت، إنما قال
من العذاب..
[النساء: 25] فخص بذلك حد الجلد لأن العذاب إيلام حي، أما الرجم فهو إزهاق حياة، فهما متقابلان. ألا ترى قول القرآن في قصة سليمان عليه السلام والهدهد:
لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه..
[النمل: 21] فالعذاب غير الذبح. إذن: تجزئة الحد في الجلد فقط، أما الرجم فلا يجزأ، فإن زنت الأمة المحصنة رجمت. وقوله تعالى: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر.. ﴾ [النور: 2] هذا كلام موجع، وإهاجة لجماعة المؤمنين، فهذا هو الحكم، وهذا هو الحد قد شرعه الله، فإن كنتم مؤمنين بالله وبالحساب والعقاب فطبقوا شرع الله، وإلا فراجعوا إيمانكم بالله وباليوم الآخر لأننا نشك في صدق هذا الإيمان. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يهيجنا ويثيرنا على أهل هذه الجريمة، لنأخذ على أيديهم ونخوفهم بما شرع الله من الحدود. فالمعنى: إن كنتم تؤمنون بالله إلها حكيما مشرعا، خلق خلقا، ويريد أن يحمي خلقه ويطهره ليكون أهلا لخلافته في الأرض الخلافة الحقة، فاتركوا الخالق يتصرف في كونه وفي خلقه على مراده عز وجل، فالخلق ليس خلقكم لتتدخلوا فيه. ثم يقول تعالى: ﴿ وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين ﴾ [النور: 2] فالأمر لا يقف عند حد التعذيب والجلد، إنما لا بد أن يشهد هذا العذاب جماعة من المؤمنين، والطائفة هم الجماعة وأقلها أربعة لماذا؟ قالوا: لأن النفس قد تتحمل الإهانة إن كانت سرا لا يطلع عليها أحد، فلا يؤلمه أن تعذبه أشد العذاب بينك وبينه، إنما لا يتحمل أن تشتمه أمام الناس. إذن: فمشاهدة الحد إهانة لصاحبه، وهي أيضا زجر للمشاهد، ونموذج عملي رادع. لذلك يقولون: الحدود زواجر وجوابر، زواجر لمن شاهدها أي: تزجره عن ارتكاب ما يستوجب هذا الحد، وجوابر لصاحب الحد تجبر ذنبه وتسقط عنه عقوبة الآخرة، فلا يمكن أن يستوي من أقر وأقيم عليه الحد بمن لم يقر، ولأن الزنا لم يثبت بشهود أبدا، وإنما بإقرار، وهذا دليل على أن الحكم صحيح في ذهنه، ويرى أن فضوح الدنيا وعذابها أهون من فضوح الآخرة وعذابها، إلا لما أقر على نفسه.