لذلك يقول تعالى: أنزلنا حتى للشيء الذي لا ينزل من السماء، كما قال سبحانه:
وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس..
[الحديد: 25] فالحديد وإن كان مصدره الأرض، إلا أنه لا يكون إلا بقدرة الأعلى سبحانه. ﴿ وفرضناها.. ﴾ [النور: 1] الشيء المفروض يعني الواجب أن يعمل لأن المشرع قاله وحكم به وقدره، ومنه قوله سبحانه:
فنصف ما فرضتم..
[البقرة: 237] أي: نصف ما قدرتم، إذن: كل شيء له حكم في الشرع، فإن الله تعالى مقدره تقديرا حكيما على قدره. وقوله تعالى: ﴿ وأنزلنا فيهآ آيات بينات.. ﴾ [النور: 1] الآيات الواضحات، وتطلق الآيات - كما قلنا - على الآيات الكونية التي تلفت أنظارنا إلى قدرة الله وبديع صنعه، وتطلق على المعجزات التي تثبت صدق الرسل، وتطلق على آيات القرآن الحاملة للأحكام. وفي هذه السورة كثير من الأحكام إلى أن قال فيها الحق سبحانه:
الله نور السماوات والأرض..
[النور: 35] وقال:
نور على نور..
[النور: 35] فطالما أنكم أخذتم نور الدنيا، وأقررتم أنه الأحسن، وأنه إذا ظهر ألغى جميع أنواركم، فكذلك خذوا نور التشريع واعملوا به واعلموا أنه نور على نور. إذن: لديكم من الله نوران: نور حسي ونور معنوي. ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ [النور: 1] بعد أن قال سبحانه أنزلت كذا وكذا أراد أن يلهب المشاعر لتستقبل آياته الاستقبال الحسن، وتطبق أحكامه التطبيق الأمثل يقول: أنزلت إليكم كذا لعلكم تذكرون، ففيها حث وإلهاب لنستفيد بتشريع الحق للخلق. ثم يتحدث الحق سبحانه عن أول قضية فيما فرضه على عبادة: ﴿ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة... ﴾.