23.101
الصور: البوق الذي ينفخ فيه إسرافيل، والمراد هنا النفخة الثانية للبعث. والأنساب: جمع نسب، وهو الالتقاء في أصل مباشر، كالتقاء الابن بالأب، أو الأب بالابن، أو التقاء بواسطة كالعمومة والخؤولة. والنسب هو أول لحمة في الكون تربط بين الناس في مصالح مشتركة، وهو الالتقاء الضروري الذي يوجد لكل الناس، فقد لا يكون لك أصدقاء ولا أصحاب ولا زملاء عمل، لكن لا بد أن يكون لك نسب وقرابة وأهل. فحين ينفي الحق - سبحانه وتعالى - النسب يقول: ﴿ فلا أنساب بينهم.. ﴾ [المؤمنون: 101] فليس النفي لوجود النسب، فإذا نفخ في الصور منعت البنوة من الأبوة، أو الأبوة من البنوة. إنما النسب موجود حقيقة، لكن لأن النسب المعروف فيه التعاون على الخير والتآزر في دفع الشر، فالنفي هنا لهذه المنفعة في هذا اليوم بالذات حيث لا ينفع أحد أحدا، فالنسب موجود لكن دون نفع، فالنفع من أمور الدنيا أن يوجد قوي وضعيف، فالقوي يعين الضعيف، ويفيض عليه، أما في هذا الموقف فالكل ضعيف. كما قال تعالى:
يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه
[عبس: 34-37]. ويقول:
كل نفس بما كسبت رهينة
[المدثر: 38]. لذلك حينما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا سنحشر يوم القيامة حفاة عراة تعجبت السيدة عائشة، واستحيت من هذا الموقف، فأخبرها رسول الله أن الأمر ليس كذلك، فهذا موقف ينشغل كل بنفسه، والحال أصعب من أن ينظر أحد لأحد. إذن: النفي لنفع الأنساب، لا للأنساب نفسها. وإن كان نفع الأنساب يمتنع لهول الآخرة فقد يتسامى الإنسان فيمنع نفعه حتى في الدنيا عن ذوي قرابته إن كانوا غير مؤمنين، وقد ضربها الله مثلا في قصة نوح - عليه السلام - وولده، وخاطبه ربه:
إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح..
[هود: 46] فامتنع النسب حتى في الدنيا، فالنبوة ليست بنوة الدم واللحم، البنوة - خاصة عند الأنبياء - بنوة عمل واتباع. وإذا تأملت تاريخ المسلمين الأوائل لوجدتهم يعتزون بالإسلام، لا بالأنساب، فالدين والعقيدة هما اللحمة، وهما الرابطة القوية التي تربط الإنسان بغيره، وإن كان أدنى منه في مقاييس الحياة. قرأنا في قصة بدر أن مصعب بن عمير - رضوان الله عليه - وكان فتى قريش المدلل، وأغنى أغنيائها، يلبس أفخر الثياب ويعيش ألين عيشة، فلما أشرب قلبه الإيمان زهد في كل هذا النعيم، وحرم من خير أهله، ثم هاجر إلى المدينة، وهناك رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس جلد شاة فقال:
" انظروا ماذا فعل الإيمان بأخيكم ".
وفي المعركة، رأى مصعب أخاه أبا عزيز أسيرا في يد واحد من الأنصار هو الصحابي أبو اليسر فقال له مصعب: اشدد على أسيرك - يعني: إياك أن يفلت منك - فإن أمه غنية، وستفديه بمال كثير، فنظر أو عزيز إلى مصعب وقال: أهذه وصاتك بأخيك؟ فقال: هذا أخي دونك.
إذن: فلا أنساب بينهم، حتى في الدنيا قبل الآخرة. وفي غزوة أحد استشهد مصعب بن عمير، ولم يجدوا ما يكفنونه فيه إلا ثوبا قصيرا، إن غطى رأسه انكشفت رجلاه، وإن غطى رجليه انكشفت رأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
" غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر ".
والسيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان لما أسلمت وهاجرت مع زوجها إلى الحبشة، لكن اتهمها البعض بأنها هاجرت لا من إجل دينها، ولكن من أجل زوجها، فيشاء الله تعالى أن يظهر براءتها، فينتصر زوجها عبيد الله بن جحش هناك وتظل هي على الإيمان، ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمرها أراد أن يعوضها فخطبها لنفسه، ولم ينتظر إلى أن تجيء ليعقد عليها، فوكل النجاشي ملك الحبشة ليعقد له عليها. وبعد زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أبوها سفيان زيارتها، وكانت تمهد فراش رسول الله، فلما أراد أبو سفيان أن يجلس عليه نحته جانبا، ومنعته أن يجلس - وهو كافر - على فراش رسول الله، فقال: أضنا بالفراش علي؟ فقالت: نعم. إذن: نفع الأنساب يمتنع في الدنيا قبل امتناعه في الآخرة، لكن الحق - سبحانه وتعالى - تفضل بأن أبقى مطلوبات النسب في الدنيا ودعانا إلى الحفاظ عليها حتى مع الكافرين لأنه سبحانه وسع الكافر، فعلى المؤمن أن يسعه من باب أولى، فإن رأيت الكافر في شدة وقدرت أن تعينه فأعنه. واقرأ في هذا قوله تعالى: