23.90
يعني: دعوني أخبركم عن أمرهم، ولماذا أنكروا الحق ولم ينطقوا به، إنهم ينكرون الحق لأنهم كاذبون ويريدون أن يثبتوا أن ما هم عليه أمر طبيعي، لماذا؟ لأنهم مستفيدون من الانحراف ومن الباطل لذلك يقفون في وجه الرسالة التي جاءت لتعديل الميزان والقضاء على الانحراف والباطل، ويلجئون إلى تكذيبها وصرف الناس عنها ليظلوا ينتفعون هم بالباطل. لذلك تأمل: لماذا يكذب الناس؟ يكذبون لأنهم ينتفعون من الكذب، ويتعبهم الصدق، ويضيق عليهم الخناق. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله... ﴾.
23.91
يا ليت الأمر وقف بهم عند مجرد عدم الإيمان بالله، إنما تعداه إلى أن وصفوا الله تعالى بما لا يليق من الصفات، وما دام أن الله تعالى ينفي عن نفسه تعالى اتخاذ الولد ﴿ ما اتخذ الله من ولد.. ﴾ [المؤمنون: 91] فلا بد أنهم قالوا: اتخذ الله ولدا، فترقوا في فجورهم وطغيانهم، وتجرأوا حتى على مقام العزة. ونقول أولا: ما الولد؟ الولد ما ينجبه الإنسان من ذكر أو أنثى، وقد سمعنا هؤلاء يقولون: عيسى ابن الله، والعزير ابن الله، وقالوا عن الملائكة: بنات الله، وقد قال تعالى: ﴿ ما اتخذ الله من ولد.. ﴾ [المؤمنون: 91] ليشمل البنين والبنات. ومعنى ﴿ اتخذ الله من ولد.. ﴾ [المؤمنون: 91] أن الله تعالى كان موجودا، ثم اتخذ له ولدا، فاتخاذ الولد إذن حادث، وهذا يعني أنه قد مرت فترة لم يتخذ الله له فيها ولدا، لذلك نسأل: ما الذي زاد في ملك الله بوجود الولد؟ هل أصبحت السماوات ثمانية؟ هل زاد في الكون شمس أخرى أو قمر؟ الكون كما خلقه الله تعالى، وجعل فيه ضرورياته وأصوله وفروعه لم يزد فيه شيء. إذن فاتخاذ الولد عبث لم يحدث منه شيء. ويقولون: اتخذ الله الولد ليؤنس خلقه بوجود ولده وشيء من رائحته بين الخلق، قالوا هذا في مؤتمر نيقية، كأنه عندهم يقوم مقام الألوهية. لكن كم كانت مدة بقائه بينكم؟ لقد أقام المسيح في الأرض بضعا وثلاثين سنة قبل أن يرفع، فكيف يحرم من هذا الأنس من سبقوا ميلاده عليه السلام؟ وكيف يحرم منه من أتوا بعده؟ أليس في هذا ما يتعارض وعدالة الربوبية لأن الخلق جميعا خلق الله، وهم عنده سواء؟ ومنهم من يقول: إنه جاء ليرفع الخطيئة، لكن الخطيئة ما زالت في الأرض بعدما فعل ما فعل. إذن: فكلها حجج واهية. ولو ناقشنا هذه المسألة مناقشة منطقية فلسفية: لماذا يتخذ الإنسان الولد؟ يتخذ الإنسان الولد لأنه يحب الحياة، وموته يختصر هذه الحياة، فيريد الولد ليكون امتدادا لحياته، ويضمن به بقاء الذكر جيلا من بعده، فإن جاء للولد ولد ضمن جيلين لذلك يقولون " أعز من الولد ولد الولد ". لكن أي ذكر هذا الذي يتمسكون به؟ إن الذكر الحقيقي ما تخلفه من بعدك من عمل صالح يسبقك عند الله. والحق - سبحانه وتعالى - لا يحتاج إلى ذكر من بعده تعالى لأنه باق لا يموت، فهذه المسألة إذن ممنوعة في حقه تعالى. وقد يتخذ الولد ليكون سندا وعونا لأبيه حين يكبر وتضعف قواه لذلك يقولون: خير الزواج الزواج المبكر لأنه يساعدك على إنجاب أب يعولك في طفولة شيخوختك لأنك تنجب طفلا وأنت صغير، فيعاصرك أكبر مدة من الزمن، وتطول به قرة عينك على خلاف من ينجب على كبر لذلك قال: أب يعولك في طفولة شيخوختك ولم يقل ابنا لأنك في هذه الحال تحتاج إلى حنان الأب.
وهذه أيضا ممتنعة في حقه تعالى لأنه سبحانه القوي، الذي لا يحتاج إلى معين، ولا إلى عزوة. مسألة أخرى: أن الإنسان يحب الولد لأنه بعض منه، وهو سبب في وجوده، فيحب أن يكون له ولد من صلبه، وهذا فرع من حبه للتملك، فالإنسان أول ما يحب يحب أن تكون له أرض، ثم يحب أن يزرعها ويأكل من خيراتها، ثم يحب أن تكون له حيوانات يشرب لبنها ويستفيد منها، ثم إن تم له هذا كله يتطلع إلى الولد، وكأنه تدرج من حب الجماد إلى النبات، إلى الحيوان، إلى الإنسان. وهذه المسألة أيضا لا تجوز في حقه تعالى، فإن أحببت الولد ليكون جزءا منك ومن صلبك تعتز به وببنوته، فالخلق جميعا عيال الله وأولاده، فكيف يحتاج إلى الولد بعد ذلك؟ إذن: كلها حجج ومسائل باطلة لذلك رد الله عليهم ﴿ ما اتخذ الله من ولد.. ﴾ [المؤمنون: 91] وأتى بمن الدالة على العموم، يعني: ما اتخذ الله شيئا من بداية ما يقال له ولد، ولو كان حتى متبنى، كما تقول: ليس عندي مال، فتنفي أن يكون عندك مال يعتد به أو ذو قيمة، لكن هذا لا يمنع أن يكون عندك عدة جنيهات أو قروش. فإن قلت: ما عندي من مال، فقد نفيت أن يكون عندك أقل ما يقال له مال. ونرد بهذه المسألة على من يقول أن من هنا زائدة لأن كلام الله دقيق لا زيادة فيه، الزيادة في كلام البشر، والحق سبحانه منزه عن هذه المسألة. ثم يرتقي بنا الحق سبحانه في الرد عليهم فيقول: ﴿ وما كان معه من إله.. ﴾ [المؤمنون: 91] يعني: معبود بحق أو بغير حق لذلك سمى الأصنام آلهة، لكن كلمة الله انصرفت إلى المعبود بحق سبحانه وتعالى، فنفى الحق سبحانه الشركاء معه في العبادة، كما جاء في موضع آخر: