23.98
يعني: إن دخل عليك الشيطان بهمزه ووسوسته فقل: أعوذ بالله من همزات الشياطين، بل وأزيد من ذلك الزم جانب الحيطة معه، فقل: أعوذ بالله أن يحضرون مجرد حضور، وإن لم يهمزوا لي، فأنا لا أريدهم في محضري، ولا أريد أن أجالسهم.
23.99-100
ذلك لمجرد أن تحضره سكرات الموت ويوقن أنه ميت تتكشف له الحقائق ويرى ما لا نراه نحن، كما جاء في قوله تعالى:
فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد
[ق: 22]. فيتمنى الإنسان أن يرجع إلى الدنيا وهو ما يزال يحتضر، لماذا؟ لأنه رأى الحقيقة التي كان ينكرها ويكذب بها، والذين يشاهدون حال الموتى ساعة الاحتضار يرون منهم إشارات تدل على أنهم يرون أشياء لا نراها نحن، كل حسب حاله وخاتمته. وأذكر حين مات أبي، وكان على صدري ساعتها أنه قال لي: يا أمين - وهذا اسمي في بلدي - كيف تبني كل هذه القصور ولا تخبرني بها؟ والجنود الذين صاحوا في المعركة: هبي يا رياح الجنة. لا بد أنهم رأوها وشموا رائحتها، وإلا ما الذي جعلهم يتلهفون للموت، ويشتاقون للشهادة إلا أنهم يرون حالا ينتظرهم أفضل مما هم فيه. ومن هؤلاء الصحابي الجليل الذي حدثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أجر الشهداء عند الله، وكان في يده تمرات أو في فمه يمضغها، فقال: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة فأقتل في سبيل الله؟ قال: نعم، فألقى التمرة من فمه ومضى إلى المعركة. كأنه استكثر أن يقعد عن طلب الجنة مدة مضغ هذه التمرات. فإلى هذه الدرجة بلغ يقين هؤلاء الرجال في الله وفي رسول الله. ونلحظ في هذه الآية: ﴿ حتى إذا جآء أحدهم الموت.. ﴾ [المؤمنون: 99] هكذا بصيغة المفرد ﴿ قال رب ارجعون ﴾ [المؤمنون: 99] جاء بالجمع على سبيل التعظيم، ولم يقل: رب ارجعني، كما جاء في قوله تعالى:
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9]. فهنا الحق - تبارك وتعالى - يعظم ذاته، لكن هذا يعظم الله الآن، وهو في حال الاحتضار، وقد كان كافرا به، وهو في سعة الدنيا وبحبوحة العيش. أو: أنه كرر الطلب: أرجعني أرجعني أرجعني، فجمعها الله تعالى. أو: أنه استغاث بالله فقال: رب ثم خاطب الملائكة: ارجعون إلى الدنيا. لكن، لماذا الرجوع؟ ﴿ لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قآئلها ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ أي: أنني تركت كثيرا من أعمال الخير، فلعلي إن رجعت بعد أن عاينت الحقيقة أستدرك ما فاتني من الصالحات، أو لعلي أعمل صالحا فيما تركت، لأنني ضننت بمالي وبمجهودي وفضلي على الناس، وكنزت المال الكثير، وتركته خلفي ثم أحاسب أنا عليه، فإن عدت قدمته وأنفقته فيما يدخر لي ليوم القيامة. ثم تأتي الإجابة: ﴿ كلا إنها كلمة هو قآئلها.. ﴾ [المؤمنون: 100] أي: قوله: ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت، إنها مجرد كلمة لا واقع لها، كلمة يقولها وقت الضيق والشدة، فالله تعالى لن يرجعهم، ولو أرجعهم ما فعلوا لذلك نفاها بقوله كلا التي ترد على قضايا تريد إثباتها، ويريد الله تعالى نفيها كما ورد في سورة الفجر:
فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأمآ إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن
[الفجر: 15-16]. فيرد الحق سبحانه: كلا لا أنت صادق ولا هو، فليس المال والغنى وكثرة العرض دليل كرامة، ولا الفقر دليل إهانة، فكلتا القضيتين خطأ، بدليل أنك إذا أعطاك الله المال، ثم لا تؤدي فيه حق الله وحق العباد، ولا يعينك على أداء ما فرض عليك صار المال وبالا عليك وإهانة لا كرامة. ما جدوى المال إن دخلت في قوله تعالى:
كلا بل لا تكرمون اليتيم
[الفجر: 17]؟ ساعتها سيكون مالك حجة عليك. كذلك الحال مع من يظن أن الفقر إهانة، فإن سلب الله منك المال الذي يطغيك فقد أكرمك، وإن كنت لا تدري بهذا الإكرام. ثم يقول سبحانه: ﴿ ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ [المؤمنون: 100] أي: كيف يتمنون الرجوع وبينهم وبينه برزخ يمنعهم العودة إلى الدنيا لذلك تسمى الفترة بين الحياة الدنيا والآخرة بالحياة البرزخية، فليست من الدنيا، وليست من الآخرة. وفي موضع آخر يصور الحق سبحانه هذا الموقف بقوله: