تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23.104

اللفح: أن تمس النار بحرارتها الشيء فتشويه، ومثله النفح ﴿ وهم فيها كالحون ﴾ [المؤمنون: 104] كلمة " كالح " نقولها حتى في العامية: فلان كالح الوجه. يعني تغير وجهه تغيرا ينكر لا تستريح له، وضربوا للوجه الكالح مثلا برأس الخروف المشوية التي غيرت النار ملامحها، فأصبحت مشوهة كالحة تلتصق الشفة العليا بجبهته، والسفلى بصدره، فتظهر أسنانه في شكل منفر. بعد ذلك يخاطبهم الحق سبحانه خطابا يلقي اللوم عليه ويحملهم مسئولية ما وصلوا إليه، فلم يعذبهم ربهم ابتداء، إنما عذبهم بعد أن أنذرهم، وأرسل إليهم رسولا يحمل منهجا يبين ثواب الطائع وعقاب العاصي، ونبههم إلى كل شيء، ومع ذلك عصوا وكذبوا، ولم يستأنفوا عملا جديدا على وفق ما أمر الله. إذن: فهم المقصرون.

23.105

يعني: أنتم السبب فيما أنتم فيه من العذاب، فليس للناس على الله حجة بعد الرسل، وليس لأحد عذر بعد البلاغ، لذلك حينما يدخل أهل النار النار يخاطبهم ربهم:

ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم..

[الزمر: 71]. فالآية تثبت أنهم هم المذنبون أمام نفوسهم:

وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون

[النحل: 118] فلم نفاجئهم بعقوبة على شيء لم نبصرهم به، إنما أرسلنا إليهم رسولا يأمرهم وينهاهم ويبشرهم وينذرهم. والإنذار بالشر قبل أن يقع نعمة من النعم، كما قلنا في سورة الرحمن عن قوله تعالى:

يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران * فبأي آلاء ربكما تكذبان

[الرحمن: 35-36] وهل النار والشواظ نعمة؟ نعم نعمة لأننا نحذرك منها قبل وقوعها، وأنت ما زلت في سعة الدنيا، وأمامك فرصة الاستدراك. والآيات - كما قلنا - تطلق على الآيات الكونية التي تلفت الناس إلى وجود الخالق الأعلى الذي أنشأ هذا الكون بهذه الهندسة البديعة، وتطلق على المعجزات التي تثبت صدق الرسول في البلاغ عن الله، وتطلق على الآيات الحاملة للأحكام وهي آيات القرآن. وقد جئناكم بكل هذه الآيات تتلى عليكم وتسمعونها وترونها، ومع ذلك كذبتم، ومعنى ﴿ تتلى عليكم.. ﴾ [المؤمنون: 105] أننا نبهناكم إليها، ولفتنا أنظاركم إلى تأملها، حتى لا تقولوا: غفلنا عنها.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩١٨