ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل مآ أنزل الله..
[الأنعام: 93].
" وظل ابن أبي السرح إلى فتح مكة حيث شفع فيه عثمان رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى رسول الله حرص عثمان عليه سكت، ولم يقل فيه شيئا، وعندها أخذه عثمان رضي الله عنه وانصرف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لصحابته: " أما كان فيكم من يجهز عليه؟ " فقالوا: يا رسول الله لو أومأت لنا برأسك؟ يعني: أشرت إلينا بهذا، انظر هنا إلى منطق النبوة، قال صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي أن يكون لنبي خائنة الأعين "
يعني: هذا تصرف لا يليق بالأنبياء، فلو فعلتموها من أنفسكم كان لا بأس. ثم بعد ذلك تحل بركة عثمان على ابن أبي السرح فيؤمن ويحسن إسلامه، ثم يولي مصر، ويقود الفتوحات في إفريقيا، ويتغلب على الضجة التي أثاروها في بلاد النوبة، وكأن الله تعالى كان يدخره لهذا الأمر الهام. وبعد هذه العجائب التي رأيناها في مراحل خلق الإنسان وخروجه إلى الحياة والإقرار لله تعالى بأنه أحسن الخالقين، يذكرنا سبحانه بأن هذه الحياة لن تدوم، فيقول تبارك وتعالى: ﴿ ثم إنكم بعد... ﴾.
23.15
ولك أن تسأل: كيف يحدثنا الحق - تبارك وتعالى - عن مراحل الخلق، ثم يحدثنا مباشرة عن مراحل الموت والبعث؟ نقول: جعلهما الله تعالى معا لتستقبل الحياة وفي الذهن وفي الذاكرة ما ينقض هذه الحياة، حتى لا تتعالى ولا تغفل عن هذه النهاية ولتكن على بالك، فترتب حركة حياتك على هذا الأساس. ومن ذلك أيضا قول الله تعالى:
تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا..
[الملك: 1-2] كأنه سبحانه ينعى إلينا أنفسنا قبل أن يخلق فينا الحياة، وقدم الموت على الحياة حتى تستقبل الحياة وتستقبل قبلها الموت الذي ينقضها فلا تغتر بالحياة، وتعمل لما بعد الموت. وقد خاطب الحق - سبحانه وتعالى - نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:
إنك ميت وإنهم ميتون
[الزمر: 30] البعض يظن أن ميت بالتشديد يعني من مات بالفعل، وهذا غير صحيح، فالميت بتشديد الياء هو ما يؤول أمره إلى الموت، وإن كان ما يزال على قيد الحياة، فكلنا بهذا المعنى ميتون، أما الذي مات بالفعل فهو ميت بسكون الياء، ومنه قول الشاعر:
ليس من مات فاستراح بميت
إنما الميت ميت الأحياء
ومعنى: ﴿ بعد ذلك ﴾ [المؤمنون: 15] يعني: بعد أطوار الخلق التي تقدمت من خلق الإنسان الأول من الطين إلى أن قال سبحانه:
فتبارك الله أحسن الخالقين
[المؤمنون: 14]. والمتأمل في هذه الآية وهي تحدثنا عن الموت الذي لا ينكره أحد ولا يشك فيه أحد، ومع ذلك أكدها الحق - تبارك وتعالى - بأداتين من أدوات التوكيد: ﴿ ثم إنكم بعد ذلك لميتون ﴾ [المؤمنون: 15] فأكدها بإن وباللام، ومعلوم أننا لا نلجأ إلى التوكيد إلا حين يواجهنا منكر، فيأتي التأكيد على قدر ما يواجهك من إنكار، أما خالي الذهن فلا يحتاج إلى توكيد. تقول مثلا لخالي الذهن الذي لا يشك في كلامك: يجتهد محمد، فإن شك تؤكد له بالجملة الاسمية التي تفيد ثبوت واستقرار الصفة: محمد مجتهد، وتزيد من تأكيد الكلام على قدر الإنكار، فتقول: إن محمدا مجتهد، أو إن محمدا لمجتهد، أو والله إن محمدا لمجتهد. هذه درجات للتأكيد على حسب حال من تخاطبه. إذن: أكد الكلام عن الموت الذي لا يشك فيه أحد، فقال: ﴿ ثم إنكم بعد ذلك لميتون ﴾ [المؤمنون: 15] ومع ذلك لما تكلم عن البعث وهو محل الشك والإنكار قال سبحانه: ﴿ ثم إنكم يوم... ﴾.