يوم يدعون إلى نار جهنم دعا
[الطور: 13] يعني: يدفعون إليها، ويضربون على أقفائهم، ويساقون سوق الدواب.
23.116
﴿ فتعالى.. ﴾ [المؤمنون: 116] تنزه وتقدس، وكلمة العلو تعني علو المنزلة. نقول: علا فلان على فلان، أما حين نقول: تعالى الله، فالمراد العلو الأعلى، وإن وهب علوا للغير فهو علو الداني، وعلو المتغير، بدليل أنه تعالى يعليك، وإن شاء سلبك، فالعلو ليس ذاتيا فيك. وكلمة الملك نعرفها فيمن يملك قطعة من الأرض بمن فيها ويحكم وله رعية، ومن هذه المادة: المالك. ويطلق على أي مالك لأي شيء، ولو لم يكن لديه إلا الثوب الذي يلبسه فهو مالك، أما: الملك فهو من يملك الذين يملكون، فله ملك على المالكين، وهذا الملك لم يأخذ ملكه بذاته، إنما بإيتاء الله له. لذلك يقول تعالى:
قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء..
[آل عمران: 26]. فلو كان ملك هؤلاء الملوك ذاتيا ما نزع منهم، ألا ترى الملك من ملوك الدنيا يقوى ويستتب له الأمر، ويكون له صولجان وبطش وفتك.. إلخ، ومع كل هذا لا يستطيع الاحتفاظ بملكه؟ وفي لحظة ينهار هذا الملك ولو على يد جندي من جنوده، بل وربما تلفظه بلاده، ولا تقبل حتى أن يدفن بها، وتتطوع له بعض الدول، وتقبل أن تواري رفاته بأرضها، فأي ملك هذا؟ وهذه آية من الآيات نراها في كل عصر - وكأنها قائمة - دليلا على صدق الآية:
قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز من تشآء وتذل من تشآء..
[آل عمران: 26] إذن: إن ملكك الله فاعلم أنه ملك موهوب، مهما استتب لك فلا تضمن بقاءه لأن الله تعالى ملكك لغاية، ولا يملك الغاية إلا هو سبحانه. لذلك كان الحق - سبحانه وتعالى - ﴿ الملك الحق.. ﴾ [المؤمنون: 116] يعني: الذي لا يزحزحه أحد عن ملكه، أو يسلبه منه، وهو الذي يتصرف في ملكه كيف يشاء لا ينازعه فيه أحد، وإن أعطى من باطن ملكه تعالى ملكا لأحد، فيظل في يده سبحانه زمام هذا الملك، إن شاء بسطه، وإن شاء سلبه ونزعه. فهو وحده الملك الحق، أما غيره فملكهم موهوب مسلوب، وإن ملك سبحانه أناسا. أمر أناس في الدنيا يأتي يوم القيامة فيقول:
لمن الملك اليوم..
[غافر: 16]. وتلحظ أن كلمة
تؤتي الملك..
[آل عمران: 26] سهلة على خلاف
وتنزع الملك..
[آل عمران: 26]، ففي النزع دليل على المشقة والمعاناة لأن صاحب الملك يحاول أن يتمسك به ويتشبث وينازع، لكن أينازع الله؟ فقوله سبحانه: ﴿ فتعالى الله الملك الحق.. ﴾ [المؤمنون: 116] المراد: تعالى عن أن يكون خلقكم عبثا، وتعالى عن أن تشردوا من قبضته، أو تخرجوا عن نفوذه، أو تستقلوا بخلقكم عن سيطرته، وتعالى أن تفلتوا من عقابة أو تمتنعوا عنه لأنه لا إله غيره: ﴿ لا إله إلا هو رب العرش الكريم ﴾ [المؤمنون: 116].
فالحق تبارك وتعالى يحكم في إطار:
قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد
[الإخلاص: 1-4]. فإذا قال لك شيئا فاعلم أنه لا إله غيره يعارضه. والعرش: رمز لاستتباب الأمر للمالك لأنه ينشغل بتدبير ملكه والقضاء على المناوئين له وتأديب أعدائه، فإذا ما استتب له ذلك جلس على عرشه، إذن: الجلوس على العرش يعني استقرار الأمور واستتباب أمر الملك لذلك فإن الحق سبحانه بعد أن خلق الخلق استوى على العرش. والعرش يفيد أيضا السيطرة والتحكم، وعرش الله عرش كريم لأنه تعالى عليك لا ليذلك ويهينك، وإنما تعالى عليك ليعاليك إليه ويعطيك من فضله. كما سبق أن قلنا: إن من مصلحتنا أن يكون الله تعالى متكبرا، ومن عظمة الحق سبحانه أن يكون له الكبرياء، فساعة يعلم الجميع أن الكبرياء لله وحدة لا يتكبر أحد على أحد. يقول الحق سبحانه:
وله الكبريآء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم