23.71
إذن: فالمسائل لا تسير على هوى المخلوق، إنما على مرادات الخالق لأن الخالق سبحانه هو صانع هذا الكون، وكل صانع يغار على صنعته، وهذا مشاهد حتى في صنعة البشر، ولك أن تتصور ماذا يحدث لو أفسدت على صانع ما صنعه. وعدالة الأشياء أن تسير على وفق مرادات الصانع، لا هوى المصنوع لأن الأهواء تملكها الأغيار، فالإنسان لو سار في حركة حياته على وفق هواه لأخذ ما ليس له، ولقبل الرشوة، ومال إلى الفسق والانحراف لأنه في الظاهر يرى أنه منتفع بهذا ولا ينظر إلى العاقبة والمحصلة النهائية، لقد نظر إلى متعة زائلة موقوته، ونسي تبعة ثقيلة لن يقدر عليها فيما بعد. لذلك يقول الحق سبحانه: ﴿ ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن.. ﴾ [المؤمنون: 71] ولك أن تقول: نعم، اتباع الأهواء يفسد الأرض، ويفسد حركة الحياة فيها، لكن كيف يفسد السماء؟ وهل لأحد قدرة عليها؟ ونقول: ألم يكن من أمنيات هؤلاء:
وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا..
[الإسراء: 90-92]. إذن: من أهوائهم أن تتهدم السماء، ولو حتى على رؤوسهم، وأي فساد بعد هذا، وهكذا لو اتبعت أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، ليس هذا وفقط بل ﴿ ومن فيهن.. ﴾ [المؤمنون: 71] حيث سيتعدى فسادهم ليشمل كل ما في الوجود. لذلك يقيد النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأهواء في قوله:
" لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "
لأنه صلى الله عليه وسلم:
وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى
[النجم: 3-4]. وقد توقف بعض المستشرقين معترضا على هذه الآية
وما ينطق عن الهوى
[النجم: 3] يقولون: يعني كلامه كله صحيح، فلماذا يعدل له ربه بعض الأحكام؟ ومعنى ذلك أن الحكم المعدل حين نطق به كان ينطق عن هوى. ولو فهم هؤلاء معنى الهوى ما كان منهم هذا الاعتراض، فالهوى أن تعرف الحق، لكن هواك يصرفك عنه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف في هذه المسائل حكما وانصرف عنه، إنما نطق وحكم على مقتضى ما فهم في أمر لم ينزل فيه من الله شيء، ثم نزل الحكم من الله ليعدل اجتهاد رسوله. إذن: لم يكن لرسول الله هوى ينطق بمقتضاه، وفي تعديل الحق سبحانه لرسوله، وتبليغ الرسول لأمته بهذا التعديل أكبر دليل على صدقه صلى الله عليه وسلم وأمانته في البلاغ عن ربه، وإلا فلم يكن أحد ليعلم هذا التعديل، لو أخفاه رسول الله تعصبا لنفسه، أو لدفع الخطأ عنه.
ومن ذلك قوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك..
[التحريم: 1] ويقول سبحانه:
عفا الله عنك لم أذنت لهم..
[التوبة: 43]. وكان بوسع رسول الله أن يكتم هذه الآيات التي تعاتبه وتعد مأخذا عليه، لكنه صلى الله عليه وسلم كان أمينا يقول ما له وما عليه، لذلك يقول عنه ربه:
ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين
[الحاقة: 44-46]. ثم يقول تعالى: ﴿ بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ﴾ [المؤمنون: 71] و بل تفيد الإضراب عن الكلام السابق، وإثبات كلام جديد بعدها، والذكر هنا يعني: الشرف والصيت والمكانة العالية، كما جاء في قوله تعالى عن القرآن:
وإنه لذكر لك ولقومك..
[الزخرف: 44]. وقوله تعالى:
لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون
[الأنبياء: 10] فكان يجب عليهم أن يحتضنوا هذا القرآن، ويرفعوه فوق رؤوسهم، ففيه مجدهم وشرفهم وعزتهم، والعرب بدون القرآن لا ذكر لهم، فقد كانوا أمة أمية تعيش على الترحال والتنقل، ولا تستقر إلا على منابع الماء ومواضع الكلأ، كانوا بدوا تنتشر فيما بينهم الحروب والغارات وقطع الطريق، كان الواحد منهم يسرق ليكرم ضيفه بما سرق. وهذه من الأمور العجيبة في عادات العرب في الجاهلية، فلم يكن لديهم منهج يحكم حياتهم، عجيب أن ترى حب الغارة والاعتداء مع الشهامة والكرم في طبيعة واحدة، فهو يفعل ما يعن له، وما يخطر بباله، فالمسألة ليست محكومة عندهم بقانون، حتى قال فيهم الشاعر: