تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23.67

مادة: كبر تأتي بكسر الباء للدلالة على العمر تقول: كبر فلان. يعني: كان صغيرا ثم كبر، وبضم الباء للشيء المعنوي وللقيم، كما في قوله تعالى:

كبرت كلمة تخرج من أفواههم..

[الكهف: 5] يعني: عظمت. ومعنى الاستكبار افتعال الكبر وطلبه، مثل: استفهم يعني: طلب الفهم، في حين هو ليس كبيرا في ذاته، فهو محتاج إلى غيره. فالكبير في ذاته من تكون عنده وتتوفر له في ذاته مقومات الحياة وضرورياتها وترفها، لا يستمدها من أحد. لكن الإنسان ضروريات حياته، وأسباب ترفه موهوبة له من غيره، فلا يصح له أن يتكبر، فمن أراد أن يتكبر فليتكبر بشيء ذاتي فيه من صحة أو مال أو سلطان... الخ، وهذه كلها أمور موهوبة لك، فالصحيح قد يصبح سقيما، والغني قد يصبح فقيرا. لذلك، فالكبرياء لله تعالى وحده لأنه الواهب للغير، والمتفضل على الخلق بما يمكن أن يتكبروا به، ومن صفات جلاله وكماله سبحانه المتكبر لأنه سبحانه رب الخلق أجمعين، ومن مصلحة الخلق أن يكون المتكبر هو الله وحده، حتى لا يرفع أحد رأسه على خلقه ويتكبر عليهم. وهكذا يحمي الحق سبحانه خلقه من خلقه، فإن تكبر عليك ربك، وأجري عليك قدرا لأنك فعلت شيئا وأنت واحد، فاعلم أنه يتكبر على الآخرين جميعا وهم كثيرون، إن فعلوا بك هذا الشيء، إذن: فصفة الكبرياء لله عز وجل في صالحك. ومثلنا لذلك، ولله المثل الأعلى: من مصلحة الأسرة ألا يكون لها إلا كبير واحد يرجع إليه، ومن أقوال العامة اللي ملوش كبير يشتري له كبير لأنه الميزان الذي تستقيم به الأمور ويسير دفة الحياة. وقلنا: إن من أسمائه تعالى الكبير ولا نقول: الأكبر مع أنها صيغة مبالغة، لماذا؟ لأن أكبر صيغة مبالغة عندنا نحن البشر، نقول: هذا كبير وذاك أكبر، وهذا قوي وذاك أقوى، ولا يقال هذا في صفته تعالى لأنك لو قلت: الله أكبر لكان المعنى أنك شركت معه غيره، فهو سبحانه أكبر وغيره كبير، لذلك لا تقال: الله أكبر إلا في النداء للصلاة. إذن: المستكبر: الذي يطلب مؤهلات كبر وليس لذاتيته شيء من هذه المؤهلات، والإنسان لا ينبغي له أن يتكبر إلا إذا ملك ذاتيات كبره، والمخلوق لا يملك شيئا من ذلك. ومعنى ﴿ مستكبرين به.. ﴾ [المؤمنون: 67] الهاء في به ضمير مبهم، يعرف بمرجعه، كما تقول: جاءني رجل فأكرمته، فالذي أزال إبهام الهاء مرجعه إلى رجل. وفي الآية لم يتقدم اسم يعود عليه الضمير، لكن الكلام هنا عن الرسول الذي أرسل إليهم، والقرآن الذي أنزل عليهم معجزة ومنهاجا، إذن: لا يعود الضمير إلا إلى واحد منهما. أو: أن الضمير في به يعود إلى بيت الله الحرام، وقد كان سببا لمكانة قريش ومنزلتهم بين العرب، وأعطاهم وضعا من السيادة والشرف، فكانوا يسيرون في رحلات التجارة إلى اليمن وإلى الشام دون أن يتعرض لهم أحد، في وقت انتشر فيه بين القبائل السلب والنهب والغارة وقطع الطريق.

وما كانت هذه المنزلة لتكون لهم لولا بيت الله الحرام الذي يحجه العرب كل عام، وخدمته وسدانته في أيدي قريش لذلك استكبروا به على الأمة كلها، ليس هذا فقط، إنما تجرأوا أيضا على البيت. ويقول تعالى بعدها: ﴿ سامرا تهجرون ﴾ [المؤمنون: 67] السامر: الجماعة يسمرون ليلا، وكانوا يجتمعون حول بيت الله ليلا يتحدثون في حق النبي صلى الله عليه وسلم، يشتمونه ويخوضون في حقه، وفي حق القرآن الذي نزل عليه. وليتهم يسمرون عند البيت بالخير إنما بهجر، والهجر هو فحش الكلام في محمد صلى الله عليه وسلم وفي القرآن. فأمر هؤلاء عجيب: كيف يفعلون هذا وهم في رحاب بيت الله الذي جعل لهم السيادة والمنزلة؟ كيف يخوضون في رسول الله الذي جاء ليطهر هذا البيت من الأصنام ورجسها؟ إنه سوء أدب مع الله، ومع رسوله، ومع القرآن، يصدق فيه قول الشاعر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨٨٣