تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23.26

بعد أن كذبه قومه دعا الله أن ينصره ﴿ بما كذبون ﴾ [المؤمنون: 26] يعني: انصرني بسبب تكذيبهم، واجعل تكذيبهم لا مدلول له فينتصر عليهم رغم تكذيبهم، أو: يا رب عوضني بتكذيبهم نصرا، يعني: أبدلني من كذبهم نصرا، كما تقول: اشتريت كذا بكذا، فأخذت هذا بدل هذا. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جآء أمرنا... ﴾.

23.27

استجاب الله تعالى دعاء نبيه نوح - عليه السلام - في النصرة على قومه، فأمره بأن يصنع الفلك. والفلك هي السفينة، وتطلق على المفرد والجمع، قال تعالى:

فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون

[الشعراء: 119] وقال:

وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون

[فاطر: 12] فدلت مرة على المفرد، ومرة على الجمع. وقوله تعالى: ﴿ بأعيننا ووحينا.. ﴾ [المؤمنون: 27] دليل على أن نوحا - عليه السلام - لم يكن نجارا كما يقول البعض، فلو كان نجارا لهداه عقله إلى صناعتها، إنما هو صنعها بوحي من الله وتوجيهاته ورعايته، كما قال سبحانه:

ولتصنع على عيني

[طه: 39] فالمعنى: اصنع الفلك، وسوف أوفقك إلى صناعتها، وأهديك إلى ما يجب أن يكون، وأصحح لك إن أخطأت في وضع شيء في غير موضعه، إذن: أمرت وأعنت وتابعت. والوحي: هو خطاب الله لرسوله بخفاء. ثم يقول تعالى: ﴿ فإذا جآء أمرنا وفار التنور ﴾ [المؤمنون: 27]. وهنا لم يتعرض السياق للفترة التي صنع فيها نوح السفينة، والتي جاءت في قوله تعالى:

ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون

[هود: 38] ذلك لأنهم لا يعلمون شيئا عن سبب صناعتها. وفي موضع آخر يعلمنا - سبحانه وتعالى - عن كيفية صنعها فيقول:

وحملناه على ذات ألواح ودسر

[القمر: 13] وقلنا: إن الدسر: الحبال التي تضم بها ألواح الخشب بعضها إلى بعض شريطة أن تكون جافة، وتضم إلى بعضها بحكمة حتى إذا ما نزل الماء وتشربت منه يزيد حجمها فتسد المسام بين الألواح، كما نراهم مثلا يصنعون براميل الزيت من شرائح الخشب. وقد صنع أحدهم سفينة من البردى بهذه الطريقة، وسافر بها إلى أمريكا واستخدم فيها الحبال بدلا من المسامير. ثم يقول سبحانه: ﴿ فإذا جآء أمرنا.. ﴾ [المؤمنون: 27] يعني: بإنجاء المؤمنين بك، وإهلاك المكذبين ﴿ وفار التنور ﴾ [المؤمنون: 27] والتنور: هو الفرن الذي يخبزون فيه الخبز، ويقال: إنه كان موروثا لنوح من أيام آدم، يفور بالماء يعني: يخرج منه الماء، وهو في الأصل محل للنار، فيخرج منه الماء وكأنه يغلي. لكن هل كل الماء سيخرج من التنور؟ الماء سيخرج من كل أنحاء الأرض وسينزل من السماء، وفوران التنور هو إيذان بمباشرة هذه العملية وبداية لها. إذا حدث هذا ﴿ فاسلك فيها من كل زوجين اثنين ﴾ [المؤمنون: 27] يعني: احمل وأدخل فيها زوجين ذكرا وأنثى من كل نوع من المخلوقات، كما في قوله تعالى:

ما سلككم في سقر

[المدثر: 42] يعني: أدخلكم، وقال سبحانه:

اسلك يدك في جيبك..

[القصص: 32] يعني: أدخلها، وقال سبحانه:

كذلك نسلكه في قلوب المجرمين

[الحجر: 12]. ومن مادة سلك أخذنا في أعرافنا اللغوية.

نقول: سلك الماسورة أو العين يعني: أدخل فيها ما يزيل سدتها. والتنوين في ﴿ من كل زوجين اثنين.. ﴾ [المؤمنون: 27] يعني: من كل شيء نريد حفظ نوعه واستمراره لأن الطوفان سيغرق كل شيء، والحق - تبارك وتعالى - يريد أن يحفظ لعباده المؤمنين مقومات حياتهم وما يخدمهم من الحيوانات والأنعام وجميع أنواع المخلوقات الأخرى من كل ما يلد أو يبيض. ومعنى ﴿ زوجين ﴾ [المؤمنون: 27] ليس كما يظن البعض أن زوج يعني: اثنين، إنما الزوج يعني فرد ومعه مثله، ومنه قوله تعالى:

ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨٥١