23.106
﴿ شقوتنا.. ﴾ [المؤمنون: 106] أي: الشقاوة وهي الألم الذي يملك كل ملكات النفس لا يترك منها جانبا، يقولون: فلان شقي يعني مضيق عليه ومتعب في كل أمور حياته، لا يرى راحة في شيء منها. وكأنهم بقولهم: ﴿ غلبت علينا شقوتنا.. ﴾ [المؤمنون: 106] يريدون أن يبعدوا المسألة عن أنفسهم ويلقون بها عند الله تعالى، يقولون: يا رب لقد كتبت علينا الشقوة من الأزل، فلا ذنب لنا، وكيف نسعد نحن أنفسنا؟ يقولون: لو شاء ربنا ما فعلنا ذلك. ونقول لهم: لقد كتب الله عليكم أزلا لأنه سبحانة علم أنكم ستختارون هذا.
23.107
فوصفوا أنفسهم بالظلم، كما قال سبحانه عنهم في آية أخرى:
ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون
[الأنعام: 28]. فيقول الحق سبحانه: ﴿ قال اخسئوا فيها... ﴾.
23.108
﴿ اخسئوا ﴾ [المؤمنون: 108] كلمة بليغة في الزجر تعني: السكوت مع الذلة والهوان لذلك يقولونها للكلاب، وقد تقول لصاحبك: اسكت على سبيل التكريم له، كما لو حدثك عن فضلك عليه، وأنك قدمت له كذا وكذا فتقول له: اسكت اسكت، تريد له العزة، وألا يقف أمامك موقف الضعف والذلة. والخسوء من معانيها أنك تضعف عن تحمل الشيء، كما في قوله تعالى:
ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير
[الملك: 4] يعني: ضعيف عن تحمل الضوء. وفي قوله سبحانه:
ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين
[البقرة: 65] يعني: مطرودون مبعدون عن سمو الإنسانية وعزتها لذلك نرى القردة مفضوحي السوءة، خفيفي الحركة بما لا يتناسب وكرامة الإنسان. إذن: ليس المراد أنهم أصبحوا قردة، إنما كونوا على هيئة القردة لذلك نراهم حتى الآن لا يهتمون بمسألة العرض وانكشاف العورة. إذن: المعنى ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ [المؤمنون: 108] اسكتوا سكوتا بذلة وهوان، ويكفي ما صنعتموه بالمؤمنين بي فيقول الحق سبحانه: ﴿ إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنآ آمنا... ﴾.