تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا..

[لقمان: 15]. فهما كافران، بل ويريدانك كافرا، ومع ذلك احفظ لهما حق النسب، ولا تقطع الصلة بهما. ويروى أن إبراهيم - عليه السلام - وقد أعطاه الله الخلة، وقال عنه:

وإبراهيم الذي وفى

[النجم: 37] وابتلاه بكلمات فأتمهن، مر عليه عابر سبيل بليل، فقبل أن يدخله ويضيفه سأله عن ديانته، فأخبره أنه غير مؤمن، فأعرض عنه إبراهيم - عليه السلام - وتركه ينصرف، فأوحى الله إليه: يا إبراهيم وسعت عبدي وهو كافر بي، وتريده أن يغير دينه لضيافة ليلة؟ فأسرع إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به، وأخبره بما كان من عتاب ربه له في شأنه، فقال الرجل: نعم الرب الذي يعاتب أحبابه في أمر أعدائه، وشهد أن لا إله إلا الله وأن إبراهيم رسول الله. ويرتقي أهل المعرفة بالنسب، فيرون أنه يتعدى الارتباط بسبب وجودك، وهو الأب أو الأم، فالنسب وإن كان ميلاد شيء من شيء، أو تفرع شيء من شيء، فهناك نسب أعلى، لا لمن أوجدك بسبب، وإنما لمن أوجدك بلا سبب الوجود الأول، فكان عليك أن تراعي هذا النسب أولا الذي أوجدك من عدم، وإن أثبت حقا للوالدين لأنهما سبب وجودك.

فكيف بالموجد الأعلى؟ وقوله تعالى: ﴿ ولا يتسآءلون ﴾ [المؤمنون: 101] سأل: تقتضي سائلا ومسئولا، أما الفعل تساءل فيدل على المفاعلة يعني: كل منهما سائل مرة، ومسئول أخرى، كما تقول: شارك محمد عمرا، وقاتل.. الخ. وقد اعترض على هذه الآية بعض المستشرقين الذين يحبون أن يتوركوا على كتاب الله، قائلين: إن المسلمين ينظرون إلى كتاب الله بمهابة وتقديس يمنعهم ويحجب عقولهم عن تعقل ما فيه، لماذا وقد قال تعالى عن القرآن:

ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا

[النساء: 82]؟ يقول هؤلاء: إن القرآن نفى التساؤل في هذه الآية، وأثبته في قوله تعالى:

وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون

[الطور: 25] في الحوار بين الكفار. وهناك تساؤل بين المؤمنين والكافرين:

كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين * في جنات يتسآءلون * عن المجرمين * ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخآئضين * وكنا نكذب بيوم الدين

[المدثر: 38-46]. ومرة يكون التساؤل بين المؤمنين بعضهم وبعض:

وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون * قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين * فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم * إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم

[الطور: 25-28]. إذن: كيف بعد ذلك ينفي التساؤل؟ ويقول: ﴿ ولا يتسآءلون ﴾ [المؤمنون: 101]. وهذا التضارب الذي يرونه تضارب ظاهري لأنه هناك فرقا بين أن تسمع عن شيء وبين أن تفاجأ به وأنت غير مؤمن، لقد قالوا:

إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين

[المؤمنون: 37]. فحين فوجئوا بالنفخ في الصور، وداهمتهم القيامة التي كانوا يكذبون بها بهتوا ودهشوا، وخرست ألسنتهم عن الكلام من شدة دهشتهم، وكيف وما كانوا ينكرونه ماثل أمامهم فجأة، ثم يتدرجون من هذه الحالة إلى أن يأخذوه أمرا واقعا لا مفر منه، فيبدأون بالكلام ويسأل بعضهم بعضا عما هم فيه وعما نزل بهم. إذن: فالسؤال له زمن، ونفي السؤال له زمن لذلك يقولون في مثل هذه المسألة أن الجهة منفكة، فإذا رأيت شيئا واحدا أثبت مرة، ونفي أخرى من قائل واحد منسوب إلى الحكمة وعدم التضارب، فاعلم أن الجهة منفكة. ومثل هذا الموقف من أهل الاستشراق وقفوه أيضا في سؤال أهل المعاصي، حيث يقول تعالى في إثبات سؤالهم:

وقفوهم إنهم مسئولون

[الصافات: 24] ويقول في نفي سؤالهم

فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن

[الرحمن: 39] فكيف يثبت الفعل وينفيه، والفاعل واحد؟ وهذا الاعتراض منهم ناشىء عن عدم فهم للغة القرآن والملكة العربية، أو لأنهم يريدون مجرد الاستدراك على كتاب الله وإثارة الشكوك حوله. لكن رب ضارة نافعة، فقد حركت شكوكهم ومآخذهم علماء المسلمين للتصدي لهم، وللرد على أباطيلهم وكشف نواياهم، فمثلنا كمثل الذي يستعد لملاقاة المرض بالطعم المناسب الذي يعطي للجسم مناعة وحصانة ضد هذا المرض. وسيدنا عمر - رضي الله عنه - وكان القرآن ينطق على وفق ما يريد، يرى الناس يقبلون الحجر الأسود، فتوقع أن يتكلم الناس في هذه المسألة، وكيف أن الدين ينهاهم عن عبادة الأصنام وهي حجارة ويأمرهم بتقبيل الحجر، وكان رضي الله عنه يقبله ويقول: " والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك ". فلفت الناس إلى أصل التشريع وأن الحجرية لا عبادة لها عندنا، لكن عندنا النبي صلى الله عليه وسلم وهو مشرع لنا وواجب علينا اتباعه، وهكذا كان رد عمر على من أثاروا هذه الفتنة. ولما تكلم عمر في غلاء المهور وكان ملهما يوافق قوله قول القرآن الكريم، وقفت له امرأة وراجعته وقالت له: اخطأت يا عمر، كيف تنهى عن الغلاء في المهور، والله تعالى يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٩١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٩١٥