23.77
لقد فشلت معهم كل المحاولات، فما أجدت معهم الرحمة واستمروا على غلوائهم، وما أجدى معهم العذاب وما استكانوا بعد أن أخذهم الله به، إذن: لم يبق لهم حجة ولا أمل في النجاة، ففتح الله عليهم ﴿ بابا ذا عذاب شديد.. ﴾ [المؤمنون: 77] يعني: أصابتهم محنة كأنهم من وراء باب مغلق تفاجئهم ﴿ إذا هم فيه مبلسون ﴾ [المؤمنون: 77] آيسون من النجاة متحسرون على ما فاتهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة... ﴾.
23.78
الحق - سبحانه وتعالى - يقول: خلقت عبادي من عدم، وأمددتهم بأقوات الحياة ومقوماتها من عدم، ثم جعلت لهم منهجا ينظم حركة حياتهم ويصون بنيتهم، لأن صاحب الصنعة أعلم بصنعته، وأعلم بما يصلحها، ويعرف غايتها التي خلقها من أجلها، فالذي صنع الثلاجة مثلا هل صنعها أولا ثم قال لنا: انظروا في أي شيء تفيدكم هذه الآلة؟ لا، إنما قبل أن يصنعها حدد مهمتها، والغاية منها، وكذلك خلق الله، ولله المثل الأعلى. والذي خلق وحدد الغاية أعلم بقانون الصيانة الذي يحمي صنعته من الفساد، ويجعلها تؤدي مهمتها على أكمل وجه، فإن خالفت قانون الصيانة الذي وضعه لك ربك تفسد حياتك وتتعطل عن أداء مهمتك التي خلقت لها، وهي عبادة الله وحده لا شريك له:
وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون
[الذاريات: 56]. لذلك أمركم إن اختلفتم في شيء أن تردوه إلى الله وإلى الرسول، كما ترد الآلة إلى صانعها العالم بطبيعتها وبمواطن الخلل فيها، ونستنبط من هذه المسألة: إذا رأيت خللا في الكون أو فسادا في ناحية من نواحيه، وإذا رأيت عورة من العورات قد ظهرت فاعلم أن حكما لله قد عطل. فمثلا إن رأيت فقيرا جائعا عاريا فإما أنه قادر على العمل لكنه قعد عن السعي وخالف قوله تعالى:
فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور
[الملك: 15] أو: أن القادرين العاملين حرموه حقه الذي جعله الله له في أموالهم، وخالفوا قوله تعالى:
وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم
[الذاريات: 19]. لذلك، فالحق - سبحانه وتعالى - يجري على عباده من المقادير ما يحفظ لهم توازن الحياة ويسد حاجة المحتاجين، كما نرى مثلا أحد الأثرياء يترك بلده، وينتقل إلى بلد آخر يضع فيها أمواله وثرواته، وليس هناك سبب لهذه النقلة إلا أنها خاطر سلطه الله عليه ليحفظ به توزيع المال في المجتمع، ولو حسبتها لوجدت أن هذا المكان زادت فيه حصيلة الزكاة عن حاجة المحتاجين، فانتقل إلى بلد آخر قلت فيه الأموال عن حاجة الفقراء والمحتاجين. وبعد ذلك لم يتركك ربك، بل عرض لك الآيات التي تلفتك إليه، وتحننك إلى التعرف عليه، وهي إما آيات كونية عجيبة تدل على قدرة الله تعالى، أو معجزات تثبت صدق الأنبياء في البلاغ عن الله لأن الله تعالى لا يخاطب عباده كل واحد بمفرده، إنما يرسل رسولا ليبلغهم ثم يؤيده بالمعجزة الدالة على صدقه في البلاغ. فحين تنظر في آيات الكون وتستدل بها على وجود خالق قادر لكنك لا تعرف من هو هذا الخالق يأتي الرسول ليقول لك: إنه الله، وقد ضربنا لذلك مثلا - ولله المثل الأعلى: هب أن أحدا دق الباب ونحن جلوس بالداخل فما الذي يحدث؟ نتفق نحن جميعا على أن طارقا بالباب.
لكن من هو؟ لا أحد يعلم. فالاتفاق هنا في التعقل، وأن هناك قوة خلف الباب تدقه، لكن من هو؟ وماذا يريد؟ لا بد لمعرفة هذه المسائل من بلاغ عن هذه القوة، وإياك أن تقول بالظن: هذا فلان وأنا أقول هذا فلان، إنما علينا أن ننتظر البلاغ منه لنعرف من هو، وما عليك إلا أن تقول: من بالباب وسوف يخبرك هو عن نفسه، وعن سبب مجيئه، وماذا يريد. ثم بعد ذلك تأتي الآيات التي تحمل منهج الله، وتخبرك أنه يريد منك كذا وكذا. الشاهد: أن هذه الآيات كلها تحتاج إلى وسائل لإدراكها، تحتاج إلى سمع وبصر لنراها ونسمعها، ثم تحتاج إلى عقل لنفكر فيها ونتأملها لذلك يقول سبحانه: ﴿ وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة.. ﴾ [المؤمنون: 78]. السمع والبصر من الحواس التي سماها العلماء احتياطا الحواس الخمس الظاهرة أي: أن هناك حواس أخرى لم يكتشفوها، وفعلا اكتشفها العلم بعد ذلك كحاسة العضل التي تميز بها الثقل، وحاسة البين التي تميز بها الغليظ من الرقيق في الثياب مثلا، فهذه الأشياء لا تستطيع التعرف عليها بالحواس الخمس المعروفة. وعمدة الحواس: السمع والبصر لأنه إذا جاءني رسول يبلغني عن الله لا بد أن أسمع منه، فإن كنت مؤمنا بإله فقد اكتفيت بحاسة السمع، وإن كنت غير مؤمن تحتاج إلى بصر لتبصر به آياته الدالة على وجوده وقدرته، وتستدل بالصنعة على الصانع، وبالخلقة على الخالق، وتقف على ما في كون الله من الدقة والإحكام والهندسة والإبداع. وهذه مهمة العقل بعد أن تحولت المسموعات والمرئيات إلى قضايا ومبادئ عقلية تحكم حياتك، كما لو رأيت النار بعينك ثم لمستها بيدك فأحرقتك فتكونت لديك قضية عقلية مؤداها أن النار لها خاصية الإحراق فلا تلمسها بعد ذلك، وهذه تراها حتى في الطفل الصغير حينما يعجبه قرن الشطة مثلا فيقضمه فيشعر بحرارته وألمه. فإن رآه بعد ذلك يقول أوف، فهذه اللفظة بالنسبة للطفل قضية عقلية تكونت لديه نتيجة تجربة استقرت في فؤاده، وأخذها مبدأ يسير عليه في كل حياته، وهكذا من المحسات ومن تجارب الحياة تتكون لديك قضايا عقلية تستفيد بها فيما بعد. إذن: من وسائل الإدراك تتكون المبادئ والقضايا التي يأخذها العقل، ويفاضل بينها حتى ينتهي إلى قضية ومبدأ يستقر في القلب ونسميها عقيدة يعني: شيء معقود عليه لا ينحل. وحين تتأمل حديث القرآن عن الحواس تجده يرتبها دائما هذا الترتيب: السمع والبصر والفؤاد لأنها عمدة الحواس، فالشم مثلا والتذوق واللمس لا نحتاج إليه إلا قليلا، أما السمع والبصر فعليهما تقوم مسألة الدعوة: السمع لسماع البلاغ، والبصر لنرى آيات الله الدالة على قدرته تعالى. وقد أثبت العلم الحديث هذا الترتيب للسمع والبصر والفؤاد مما يدل على أنه ترتيب من خالق عن حكمة وعلم وقدرة، بحيث لا يأتي واحد منها قبل الآخر، كما أثبت علماء وظائف الأعضاء صدق هذا الترتيب، فأول أداة تؤدي مهمتها في الإنسان هي الأذن ثم العين، وتعمل من ثلاثة إلى عشرة أيام من الولادة، ثم من السمع والبصر توجد القضايا التي يعمل فيها العقل.