ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه..
[الأنعام: 28] أي: لو رددناهم من الآخرة لعادوا لما كانوا عليه من معصية الله، وإن كانت هذه قضية عقلية ففي واقعهم ما يثبت صدق هذه القضية، واقرأ فيهم قول الله تعالى:
وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه..
[الإسراء: 83] فأخذ نعمة الله وتقلب فيها، ثم تنصل من طاعة الله. ويقول تعالى في هذا المعنى أيضا:
وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه..
[يونس: 12]. إذن: المسألة اضطرارات، كلما اضطروا دعوا الله ولجئوا إليه، وتوسلوا، فخذوا من واقع حياتهم ما يدل على صدق حكمي عليهم لو عادوا من الآخرة. والبرزخ: هو الحاجز بين شيئين، وهذا الحاجز يأخذ قوته من صاحب بنائه، فإن كان هذا الحاجز من صناعته - سبحانه وتعالى - فلن ينفذ منه أحد. ومن ذلك قوله تعالى:
مرج البحرين يلتقيان * بينهما برزخ لا يبغيان
[الرحمن: 19-20] وما داما يلتقيان، فما فائدة البرزخ هنا؟ قالوا: نعم يلتقيان، ولا يبغي أحدهما على الآخر لأن المسألة ليست سدا أو بناء هندسيا، إنما برزخ خاص لا يقدر عليه إلا طلاقة القدرة الإلهية التي خرقت النواميس، فجعلت الماء السائل جبلا ، بعد أن ضربه موسى بعصاه، فصار كل فرق كالطود العظيم، طلاقة القدرة التي فجرت الحجر عيونا. إذن: المسألة ليست ميكانيكا كما يظن البعض.
والبرزخ بين الماء المالح والماء العذب آية من آيات الله شاخصة أمامنا، يمكننا جميعا أن نتأكد من صحة هذه الظاهرة. لكن هذا البرزخ من أمامهم، فلماذا قال تعالى: ﴿ ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ [المؤمنون: 100]. قالوا: لأن اللفظ الواحد يطلق في اللغة وله معان عدة واللفظ واحد لذلك يسمونه المشترك، فمثلا كلمة عين تطلق على العين الباصرة، وعلى عين الماء، وعلى الجاسوس، وتقال للذهب وللفضة، وللرجل البارز في قومه، والسياق هو الذي يحدد المعنى المراد لذلك على السامع أن تكون عنده يقظة ليرد اللفظ إلى المعنى المناسب لسياقه. وكذلك كلمة النجم فتعني الكوكب في السماء، وتعني كذلك ما لا ساق له من النبات، وهو العشب الذي ترعاه البهائم، ومنه قول الشاعر:
أراعي النجم في سيري إليكم
ويرعاه من البيدا جوادي
فكلمة وراء تطلق ويراد بها معان عدة، قد تكون متقابلة يعينها السياق، فتأتي وراء بمعنى بعد كما في قوله تعالى:
ومن ورآء إسحاق يعقوب
[هود: 71] وتأتي بمعنى غير كما في قوله تعالى:
فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك هم العادون
[المؤمنون: 7]. وتأتي بمعنى أمام كما قوله تعالى:
وكان ورآءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا
[الكهف: 79] فالملك كان أمامهم ينتظر كل سفينة قادمة. وكذلك في قوله تعالى:
من ورآئه جهنم
[إبراهيم: 16]. فقوله تعالى: ﴿ ومن ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ [المؤمنون: 100] أي: أمامهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ... ﴾.