تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

23.62

بعد أن تكلم الحق سبحانه عن المسارعة والمنافسة بين أنها على قدر الوسع والطاقة، وأنه سبحانه ما كلفك إلا بعد علمه بقدرتك، وأنك تسع هذا التكليف، فإياك أن تنظر إلى الحكم فتقول: أنا أسعه أو لا أسعه، لكن انظر إلى التكليف: ما دام ربك قد كلفك فاعلم أنه في وسعك، وحين يعلم منك ربك عدم القدرة يخفف عنك التكليف دون أن تطلب أنت ذلك. والأمثلة على تخفيف التكاليف واضحة في الصلاة والصوم والحج.. الخ. والآن نسمع من يقول: لم تعد الطاقة في هذا العصر تسع هذه التكاليف، فالزمن تغير، والأعمال والمسئوليات كثرت، إلى غير ذلك من هذه الأقوال التي يريد أصحابها التنصل من شرع الله. ونقول: ما دام التكليف باقيا فالوسع باق، والحق - سبحانه وتعالى - أعلم بوسع خلقه وطاقاتهم. إذن: أنا أنظر أولا إلى التكليف، ثم أحكم على الوسع من التكليف، ولا أحكم على التكليف من الوسع. ثم يقول سبحانه: ﴿ ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون ﴾ [المؤمنون: 62] المراد هنا كتاب أعمالنا الذي سجل فيه كل شيء قدمته الأيدي، لكن: ما الحكمة من تسجيل الأعمال؟ وهل يكذب العباد ربهم عز وجل فيما سجل عليهم؟ قالوا: الحكمة من تسجيل الأعمال أن تكون حجة على صاحبها، وليعلم أن الله ما ظلمه شيئا لذلك سيقول له ربه:

اقرأ كتبك..

[الإسراء: 14] يعني: بنفسك حتى تقام عليك الحجة، ولا يكون عندك اعتراض. ثم قال بعدها: ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ [المؤمنون: 62] لأن الظلم لا يتصور من الحق - سبحانه وتعالى - فالظلم نتيجة الحاجة، وأنت تظلم غيرك حين تريد أن تنتفع بأثر الغير في الخير زيادة عما عندك، فالظلم إذن نتيجة الحاجة، والحق سبحانه هو المعطي، وهو الغني الذي لا حاجة له إلى أحد، فلماذا يظلم؟ كذلك قد يظلم الضعيف ليأخذ ما في يد غيره ليسد حاجته أو شهوته، ولو كان قويا لكفى نفسه بمجهوده. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨٧٨