تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس

[النحل: 7] إذن: كل آية تحدثت عن الأنعام تعطينا فائدة لتظل مربوطا بالقرآن كله.

23.22

﴿ وعليها ﴾ [المؤمنون: 22] أي: على الدواب تحملون، فنركب الدواب، ونحمل عليها متاعنا، لكن لما كانت الأرض ثلاثة أرباعها ماء، فإن الحق - سبحانه وتعالى - ما تركنا في البحر، إنما حملنا فيه أيضا ﴿ وعلى الفلك تحملون ﴾ [المؤمنون: 22] فكما أعددت لكم المطايا على اليابسة الضيقة أعددت لكم كذلك ما تركبونه في هذه المساحة الواسعة من الماء. ولما كان الكلام هنا عن الفلك فقد ناسب ذلك الحديث عمن له صلة بالفلك، وهو نوح عليه السلام: ﴿ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم اعبدوا الله... ﴾.

23.23

بعد أن حدثنا القرآن الكريم عن خلق الإنسان وخلق الحيوان، وحدثنا عن بعض نعمه التي امتن بها علينا تدرج بنا إلى صناعة الفلك لأنه قد يسأل سائل: وكيف تكون هذه الفلك أي: تخلق كالإنسان والحيوان بالتوالد، أم تنبت كالزرع؟ فأوضح الخالق سبحانه أنها وجدت بالوحي في قوله تعالى:

فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا

[المؤمنون: 27]. ومعنى

بأعيننا

[المؤمنون: 27] أنها صنعة دقيقة، لم يترك فيها الحق سبحانه نبيه يفعل ما يشاء، إنما تابعه ولاحظه ووجهه إلى كيفية صناعتها والمواد المستخدمة فيها، كما قال سبحانه:

وحملناه على ذات ألواح ودسر

[القمر: 13] وهي الحبال، كانوا يربطون بها ألواح الخشب، ويضمون بعضها إلى بعض، أو المسامير تشد بها الألواح بعضها إلى بعض. لكن، مهما أحكمت ألواح الخشب بعضها إلى بعض، فلا بد أن يظل بينها مسام يتسرب منها الماء، فكيف نتفادى ذلك في صناعة الفلك خاصة في مراحلها البدائية؟ يقولون: لا بد لصانع الفلك أن يجفف الخشب جيدا قبل تصنيعه فإذا ما نزل الخشب الماء يتشرب منه، فيزيد حجمه فيسد هذه المسام تماما، ولا يتسرب منها الماء. ومن عجائب القرآن ومعجزاته في مسألة الفلك قوله تعالى:

وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام

[الرحمن: 24] يعني: كالجبال العالية. وهذه الفلك لم تكن موجودة وقت نزول القرآن إنما أخبر الله بها، مما يدل على أنه تعالى الذي امتن علينا بهذه النعمة، علم ما يمكن أن يتوصل إليه الإنسان من تطور في صناعة الفلك، وأنها ستكون عالية شاهقة كالجبال. وطالما أن الكلام معنا عن الفلك، فطبيعي ومن المناسب أن نذكر نوحا عليه السلام لأنه أول من اهتدى بالوحي إليه إلى صناعة الفلك، فقال سبحانه: ﴿ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه.. ﴾ [المؤمنون: 23] لما تكلم الحق سبحانه عما في الأنعام من نعم وفوائد، لكنها تؤول كلها - بل والدنيا معها - إلى زوال، أراد سبحانه أن يعطينا طرفا من الحياة الباقية والنعيم الدائم الذي لا يزول فذكر منهج الله الذي أرسل به نوح، وهو واحد من أولي العزم من الرسل. والإرسال: هو أن يكلف مرسل مرسلا إلى مرسل إليه، فالمكلف هو الحق سبحانه، والمكلف بالرسالة نوح عليه السلام، والمرسل إليهم هم قومه، والله لا يرسل إلى قوم إلا كانوا يهمونه، وكيف لا وهم عباده وخلقه، وقد جعلهم خلفاء له في الأرض؟ والذي خلق خلقا، أو صنع صنعة لا بد أن يضع لها قانون صيانتها، لتؤدي مهمتها في الحياة، وتقوم بدورها على الوجه الأكمل، كما مثلنا لذلك - ولله تعالى المثل الأعلى - بصانع الثلاجة أو التلفزيون حين يضع معه كتالوجا يحوي تعليمات التشغيل وطريقة الصيانة وكيفية إصلاح الأعطال.

فالذي خلق الإنسان وجعله خليفة له في الأرض أولى بهذا القانون وأولى بصيانة خلقه لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي:

" يا ابن آدم، خلقت الأشياء كلها من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له "

يعني: ما دام كل شيء من أجلك يعمل لك ويؤدي مهمته، فعليك أيضا أن تؤدي مهمتك التي خلقتك من أجلها. لذلك وضع لك ربك قانون صيانتك بافعل كذا ولا تفعل كذا، فعليك أن تلتزم الأمر فتؤديه فهو سر الجمال في الكون، وسر السعادة والتوافق في حركة الحياة، وعليك أن تجتنب النهي فلا تقربه لأنه سيؤدي إلى قبح، وسيكشف عورة من عورات المجتمع، أما الأمور التي سكت عنها فأنت حر فيها تفعل أو لا تفعل لأن ذلك لا يأتي بقبيح في المجتمع، وهذه المسائل تسمى المباحات، وقد تركها الله لحريتك واختيارك. والحق - تبارك وتعالى - لما استدعى الإنسان إلى هذا الكون خلق له مقومات حياته من مقومات استبقاء الحياة من طعام وشراب وهواء واستبقاء النوع بالتناسل، وقد شمل قانون الصيانة كل هذه المقومات، فنظمها وحدد ما يحل وما يحرم. فقال: كل هذه ولا تأكل هذه، واشرب هذا ولا تشرب ذاك، ولو شاهدنا المخترعين في مسائل المادة نجد الصانع يحدد مقومات صنعته، فمثلا هذا الجهاز يعمل على 110 فولت، وهذا يعمل 220 فولت، وهذه الآلة تعمل بالبنزين، وهذه بالسولار، فلو غيرت في هذه المقومات تفسد الآلة ولا تؤدي مهمتها. كذلك - ولله المثل الأعلى - عليك أن تلتزم بقانون ومنهج خالقك عز وجل، ولا تحد عنه، وإلا فسد حالك وعجزت عن أداء مهمتك في الحياة. فإن أردنا أن تستقيم لنا الخلافة التي خلقنا الله لها وهي خلافة مصلحة لا مفسدة، فعلينا بقانون الصيانة الذي وضعه لنا خالقنا عز وجل. لذلك، إن رأيت في المجتمع عورة ظاهرة في أي ناحية من نواحي الحياة فاعلم أنها نتيجة طبيعية للخروج عن منهج الله، وتعطيل حكم من أحكامه، فمثلا حين ترى الفقراء والجوعى والمحاويج فاعلم أن في الأمر تعطيلا لحكم من أحكام الله، فهم إما كسالى لا يحاولون السعي في مناكب الأرض، وإما غير قادرين حرمهم القادرون واستأثروا بالثروة دونهم. البعض يقول: إذا كان الحق سبحانه قد حرم علينا بعض الأشياء، فلماذا خلقها؟ ويمثلون لذلك بالخنزير مثلا وبالخمر. وخطأ هؤلاء أنهم يظنون أن كل شيء خلق ليؤكل، وهذا غير صحيح لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء لمهمة تؤديها في الحياة، وليس بالضرورة أن تؤكل، فالخنزير خلقه الله لينظف البيئة من القاذورات، لذلك لا تراه يأكل غيرها. أما الخمر فلم تخلق خمرا، إنما هي ثمرة العنب الحلوة التي تؤكل طازجة، أخذها الإنسان وتدخل في هذه الطبيعة وأفسدها بتخميره، فصار الحلال بذلك محرما.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨٤٤