تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله..

[الإسراء: 88]. وقوله تعالى: ﴿ لن يخلقوا ذبابا.. ﴾ [الحج: 73] جاءت بنفي المستقبل فلم يقل مثلا: لم يخلقوا، فالنفي هنا للتأبيد، فهم ما استطاعوا في الماضي، ولن يستطيعوا أيضا فيما بعد حتى لا يظن أحد أنهم ربما تمكنوا من ذلك في مستقبل الأيام، ونفي الفعل هكذا على وجه التأبيد لأنك قد تترك الفعل مع قدرتك عليه، إنما حين تتحدى به تفعل لترد على هذا التحدي،فأوضح لهم الحق سبحانه أنهم لم يستطيعوا قبل التحدي، ولن يستطيعوا بعد التحدي. ثم يقول تعالى: ﴿ وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه.. ﴾ [الحج: 73] فقد تقول: إن عملية الخلق هذه عملية صعبة لا يتحدى بها، لذلك تحداهم بما هو أسهل من الخلق ﴿ وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه.. ﴾ [الحج: 73] وهل يستطيع أحد أن يعيد ما أخذه الذباب من طعامه على جناحيه أو أرجله أو خرطومه؟ وكانوا يذبحون القرابين عند الأصنام، ويضعون أمامها الطعام ليباركوه، فكانت الدماء تسيل عندها وتتناثر عليها، فيحط عليها الذباب، ويأخذ من هذه الدماء على أرجله النحيفة هذه أو على أجنحته أو على خرطومه، فتحداهم أن يعيدوا من الذباب ما أخذه، وهذه مسألة أسهل من مسألة الخلق.

ولك أن تجرب أنت هذه العملية، إذا وقع ذباب على العسل الذي أمامك، فلا بد أن يأخذ منه شيئا ولو كان ضئيلا لا يدرك ولا يوزن ولا تكاد تراه، لكن أتستطيع أن تمسك الذبابة وترد ما أخذت منك؟ لذلك يقول تعالى بعدها: ﴿ ضعف الطالب والمطلوب ﴾ [الحج: 73] يعني: كلاهما ضعيف، فالذباب في ذاته ضعيف وهم كذلك ضعفاء، بدليل أنهم لن يقدروا على هذه المسألة، لكن هناك ضعيف يدعي القوة، وضعيف قوته في أنه مقر بضعفه، فالذباب وإن كان ضعيفا إلا أن الله تعالى قال فيه:

إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها..

[البقرة: 26] يعني: ما فوقها في الصغر، ليس المراد ما فوقها في الكبر كالعصفور مثلا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ما قدروا الله حق قدره... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨١٨