تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به..

[النحل: 126]. وهل تستطيع أن تضبط هذه المثلية فترد الضربة بمثلها؟ وهل قوتك كقوته، وحدة انفعالك في الرد كحدة انفعاله؟ ولو حدث وزدت في ردك نتيجة غضب، ماذا تفعل؟ أتسمح له أن يرد عليك هذه الزيادة؟ أم تكون أنت ظالما معتديا؟ إذن: ماذا يلجئك لمثل هذه المتاهة، ولك في التسامح سعة، وفي قول الله بعدها:

ولئن صبرتم لهو خير للصابرين

[النحل: 126] مخرج من هذا الضيق؟ وسبق أن حكينا قصة المرابي اليهودي الذي قال لطالب الدين: إن تأخرت في السداد أشترط عليك أن آخذ رطلا من لحمك. وجاء وقت السداد ولم يوف المدين، فرفعه الدائن إلى القاضي وأخبره بما اشترطه عليه، فقال القاضي: نعم من حقك أن تأخذ رطلا من لحمه لكن بضربة واحدة بالسكين تأخذ رطلا، إن زاد أو نقص أخذناه منك.

إذن: مسألة المثلية هنا عقبة تحد من ثورة الغضب، وتفتح بابا للارتقاءات الإيمانية، فإن كان الحق سبحانه سمح لك أن تنفس عن نفسك فقال:

وجزآء سيئة سيئة مثلها..

[الشورى: 40] فإنه يقول لك: لا تنس العفو والتسامح

والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين

[آل عمران: 134]. لذلك، فالآية التي معنا تلفتنا لفتة إيمانية: ﴿ ومن عاقب بمثل ما عوقب به.. ﴾ [الحج: 60] واحدة بواحدة ﴿ ثم بغي عليه.. ﴾ [الحج: 60] يعني: زاده بعد أن رد العدوان بمثله وظلمه واعتدى عليه ﴿ لينصرنه الله.. ﴾ [الحج: 60] ينصره على المعتدي الذي لم يرتض حكم الله في رد العقوبة بمثلها. وتلحظ في قوله تعالى مخايل النصر بقوله ﴿ إن الله لعفو غفور ﴾ [الحج: 60] مع أن الصفة التي تناسب النصرة أن يقول قوي عزيز لأن النصرة تحتاج قوة وتحتاج عزة، لكنه سبحانه اختار صفة العفو والمغفرة ليلفت نظر من أراد أن يعاقب إلى هذه الارتقاءات الإيمانية: اغفر وارحم واعف لأن ربك عفو غفور، فاختار الصفة التي تحنن قلب المؤمن على أخيه المؤمن. ثم أليس لك ذنب مع الله؟

ألا تحبون أن يغفر الله لكم..

[النور: 22] فما دمت تحب أن يغفر الله لك فاغفر لعباده، وحين تغفر لمن يستحق العقوبة تأتي النتيجة كما قال ربك عز وجل:

فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم

[فصلت: 34]. فالحق سبحانه يريد أن يشيع بيننا الصفاء النفسي والتلاحم الإيماني، فأعطاك حق رد العقوبة بمثلها لتنفس عن نفسك الغيظ، ثم دعاك إلى العفو والمغفرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٨٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٨٠٥