[الأنعام: 121]. ومعنى: ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان.. ﴾ [الحج: 30] الرجس: النجاسة الغليظة المتغلغلة في ذات الشيء. يعني: ليست سطحية فيه يمكن إزالتها، وإنما هي في نفس الشيء لا يمكن أن تفصلها عنه. ﴿ واجتنبوا.. ﴾ [الحج: 30] لا تدل على الامتناع فقط، إنما على مجرد الاقتراب من دواعي هذه المعصية لأنك حين تقترب من دواعي المعصية وأسبابها لا بد أن تداعبك وتشغل خاطرك، ومن حام حول الشيء يوشك أن يقع فيه، لذلك لم يقل الحق - سبحانه وتعالى - امتنعوا إنما قال: اجتنبوا، ونعجب من بعض الذين أسرفوا على أنفسهم ويقولون: إن الأمر في اجتنبوا لا يعني تحريم الخمر، فلم يقل: حرمت عليكم الخمر. نقول: اجتنبوا أبلغ في النهي والتحريم وأوسع من حرمت عليكم، لو قال الحق - تبارك وتعالى - حرمت عليكم الخمر، فهذا يعني أنك لا تشربها، ولكن لك أن تشهد مجلسها وتعصرها وتحملها وتبيعها، أما اجتنبوا فتعني: احذروا مجرد الاقتراب منها على أي وجه من هذه الوجوه. لذلك، تجد الأداء القرآني للمطلوبات المنهجية في الأوامر والنواهي من الله يفرق بين حدود ما أحل الله وحدود ما حرم، ففي الأوامر يقول:
تلك حدود الله فلا تعتدوها..
[البقرة: 229]. وفي النواهي يقول:
تلك حدود الله فلا تقربوها..
[البقرة: 187]. ففي الأوامر وما أحل الله لك قف عند ما أحل، ولا تتعداه إلى غيره، أما المحرمات فلا تقترب منها مجرد اقتراب، فلما أراد الله نهي آدم وحواء عن الأكل من الشجرة قال لهما:
ولا تقربا هذه الشجرة..
[البقرة: 35]. وبعد أن أمر الحق سبحانه باجتناب الرجس في عبادة الأصنام قال: ﴿ واجتنبوا قول الزور ﴾ [الحج: 30] فقرن عبادة الأوثان بقول الزور، كأنهما في الإثم سواء لذلك النبي صلى الله عليه وسلم سلم يوما من صلاة الصبح، ثم وقف وقال:
" ألا وإن شهادة زور جعلها الله بعد الأوثان ".
لماذا؟ لأن في شهادة الزور جماع لكل حيثيات الظلم، فساعة يقول: ليس للكون إله، فهذه شهادة زور، وقائلها شاهد زور، ساعة يقول: الإله له شريك فهذه شهادة زور، وقائلها شاهد زور، كذلك حين يظلم أو يغير في الحقيقة، أو يذم الآخرين، كلها داخلة تحت شهادة الزور. ولما عدد النبي صلى الله عليه وسلم الكبائر، قال:
" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين - وكان متكئا فجلس - فقال: ألا وقول الزور ألا وقول الزور، قال الراوي: فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت أو حتى ظننا أنه لا يسكت ".
ويقولون في شاهد الزور: يا شاهد الزور أنت شر منظور، ضللت القضاة، وحلفت كاذبا بالله. ومن العجيب في شاهد الزور أنه أول ما يسقط من نظر الناس يسقط من نظر من شهد لصالحه، فرغم أنه شهد لصالحك، ورفع رأسك على خصمك لكن داست قدمك على كرامته وحقرته، ولو تعرض للشهادة في قضية أخرى فأنت أول من تفضحه بأنه شهد زورا لصالحك. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ حنفآء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السمآء... ﴾.