تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعاما فهم لها مالكون * وذللناها لهم..

[يس: 71-72]. لذلك نذكر الله ونشكره على ما رزقنا من بهيمة الأنعام استمتاعا بها أكلا، أو استمتاعا بها بيعا أو زينة، كما قال تعالى:

ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون

[النحل: 6]. ولولا أن الله تعالى ذللها لخدمتك ما استطعت أنت تذليلها والانتفاع بها لذلك من حكمة الله أن يترك بعض خلقه غير مستأنس، ولا يمكن لك بحال أن تستأنسه أو تذلله لتظل على ذكر لهذه النعمة وتشكر الله عليها. وسبق أن ضربنا مثلا بالبرغوث، وهو من أدنى هذه المخلوقات، ولا تكاد تراه، ومع ذلك لا تقدر عليه، وربما أقض مضجعك، وأقلق نومك طوال الليل. وتلمس هذه النعمة في الجمل الذي يقوده الصبي الصغير، إذا حرن منك فلا تستطيع أن تجعله يسير رغما عنه، أو صال فلا يقدر عليه أحد، وقد يقتل صاحبه ويبطش بمن حوله.

إذن: لا قدرة لك عليه بذاتك، إنما بتذليل الله يمكن الانتفاع به، فتسوقه إلى نحره، فيقف ساكنا مستسلما لك. والمتأمل في حال الحيوانات التي أحلها الله لنا يجد أمرها عجيبا، فالحيوان الذي أحله الله لك تظل تنتفع به طوال عمره، فإذا ما تعرض لما يزهق روحه، ماذا يفعل؟ يرفع رأسه إلى أعلى، ويعطيك مكان ذبحه، وكأنه يقول لك: أنا في اللحظات الأخيرة فاجتهد في أن تنتفع بلحمي، وأهل الريف إذا شاهدوا مثل هذه الحالة يقولون: طلب الحلال يعني الذبح. أما الحيوان الذي لا يذبح ولا يحله الله فيموت منكس الرأس لأنه لا فائدة منه. هذا الحيوان الذي نتهمه بالغباء ونقول أنه بهيم.. الخ لو فكرت فيه لتغير رأيك، فالحمار الذي نتخذه رمزا للغباء وعدم الفهم تسوقه أمامك وتحمله القاذورات وتضربه فلا يعترض عليك ولا يخالفك، فإن نظفته وزينته بلجام فضة، وبردعة قطيفة تتخذه ركوبة وزينة ويسير بك ويحملك، وأنت على ظهره، فإن غضبت عليه واستخدمته في الأحمال وفي القاذورات تحمل راضيا مطيعا.. وانظر إلى هذا الحمار الذي نتخذه مثالا للغباء، إذا أردت منه أن يقفز قناة أوسع من مقدرته وإمكانياته، فإنه يتراجع، ومهما ضربته وقسوت عليه لا يقدم عليها أبدا لأنه يعلم مدى قفزته، ويعلم مقدرته، ولا يقدم على شيء فوق ما يطيق - وبعد ذلك نقول عنه: حمار!! ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير ﴾ [الحج: 28]. البائس: هو الذي يبدو على سحنته وشكله وزيه أنه فقير محتاج، أما الفقير فهو محتاج الباطن، وإن كان ظاهره اليسر والغنى، وهؤلاء الفقراء لا يلتفت الناس إليهم، وربما لا يعلمون حالهم وحاجتهم، وقد قال الله فيهم:

يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا..

[البقرة: 273]. والمعنى: كلوا مما يباح لكم الأكل منه، وهي الصدقة المحضة، أو الهدية للبيت غير المشروطة بشيء، يعني: لا هي دم قران أو تمتع، ولا هي فدية لمخالفة أمر من أمور الإحرام، أو كانت نذرا فهذه كلها لا يؤكل منها. إذن: كلوا من الصدقة والتطوع، وأطعموا كذلك البائس والفقير، ومن رحمة الله بالفقراء أن جعل الأغنياء والمياسير هم الذين يبحثون عن الذبائح ويشترونها ويذهبون لمكان الذبح ويتحملون مشقة هذا كله، ثم يبحثون عن الفقير ليعطوه وهو جالس في مكانه مستريحا، يأتيه رزقه من فضل الله سهلا ميسرا. لذلك يقولون: من شرف الفقير أن جعله الله ركنا من أركان إسلام الغني، أي: في فريضة الزكاة، ولم يجعل الغني ركنا من أركان إسلام الفقير. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٦٢