تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" " يوشك أن ينزل ابن مريم، ويأتي حاجا، ويزور قبري، ويدفن هناك ".

فقال رسول الله: " ويأتي حاجا " لأنه لم يمت، وسوف يدرك عهد التكليف من رسول الله حين ينزل من السماء، وسيصلي خلف إمام من أمة محمد صلى الله على جميع أنبياء الله ورسله. ومن المسائل التي نحتج بها عليهم قولهم: إن الذبيح إسحاق، فلو أن الذبيح إسحاق كما يدعون لكانت مناسك الذبح والفداء ورمي الجمار عندكم في الشام، أما هذه المناسك فهي هنا في مكة، حيث كان إسماعيل. ثم تذكروا جيدا ما قاله كتابكم المقدس في الأصحاح 23، 24 من أن الحق - سبحانه وتعالى - أوحى إلى إبراهيم أن يصعد على جبل فاران، ويأخذ ولده الوحيد ويذبحه، فالوحيد إسماعيل لا إسحاق لأن الله فدى إسماعيل، ثم بشر إبراهيم بإسحاق. ومن حكمة الله - عز وجل - أن جعل في كذب الكاذب منفذا للحق، وثغرات نصل منها إلى الحقيقة لذلك يقول رجال القضاء: ليست هناك جريمة كاملة أبدا، لا بد أن يترك المجرم قرينة تدل عليه مهما احتاط لجريمته، كأن يسقط منه شيء ولو أزرار من ملابسه، أو ورقة صغيرة بها رقم تليفون.

. إلخ، لذلك نقول: الجريمة لا تفيد لأن المجرم سيقع لا محالة في يد من يقتص منه. ولرجال القضاء ووكلاء النيابة مقدرة كبيرة على استخلاص الحقيقة من أفواه المجرمين أنفسهم، فيظل القاضي يحاوره إلى أن يجد في كلامه ثغرة أو تضاربا يصل منه إلى الحقيقة. ذلك لأن للصدق وجها واحدا لا يمكن أن يتلجلج صاحبه أو يتردد، أما الكذب فله أكثر من وجه، والكاذب نفسه لو حاورته أكثر من مرة لوجدت تغييرا وتضاربا في كلامه لذلك العرب يقولون: إن كنت كذوبا فكن ذكورا. يعني: تذكر ما قلته أولا، حتى لا تغيره بعد ذلك. ومن أمثلة الكذب الذي يفضح صاحبه قول أحدهم للآخر: هل تذكر يوم كنا في مكان كذا ليلة العيد الصغير، وكان القمر ظهرا!! فقال: كيف، يكون القمر مثل الظهر في آخر الشهر؟ وقد يلجأ القاضي إلى بعض الحيل، ولا بد أن يستخدم ذكاءه لاستجلاء وجه الحق، كالقاضي الذي احتكم إليه رجلان يتهم أحدهما الآخر بأنه أخذ ماله أمانة، ثم أخذها لنفسه ودفنها في موضع كذا وكذا، فلما حاور القاضي المتهم أنكر فانصرف عنه، وتوجه إلى صاحب الأمانة، وقال له: اذهب إلى المكان، وابحث لعلك تكون قد نسيته هنا أو هناك. أو لعل آخر أخذه منك، فذهب صاحب المال، وفجأة سأل القاضي المتهم: لماذا تأخر فلان طوال هذا الوقت؟ فرد المتهم: لأن المكان بعيد يا سيادة القاضي. فخانته ذاكرته، ونطق بالحق دون أن يشعر. ثم يقول تعالى: ﴿ يأتوك رجالا.. ﴾ [الحج: 27] ورجالا هنا ليست جمعا لرجل، إنما جمع لراجل، وهو الذي يسير على رجليه ﴿ وعلى كل ضامر.. ﴾ [الحج: 27] الضامر: الفرس أو البعير المهزول من طول السفر. وتقديم الماشين على الراكبين تأكيد للحكم الإلهي ﴿ يأتوك.. ﴾ [الحج: 27] فالجميع حريص على أداء الفريضة حتى إن حج ماشيا. وقوله: ﴿ يأتين من كل فج عميق ﴾ [الحج: 27] أي: من كل طريق واسع ﴿ عميق ﴾ [الحج: 27] يعني: بعيد. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٦٠