تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا خير في رد الردى بدنية

كما ردها يوما بسوأته عمرو

ويقول الشريف الرضي - وهو من آل البيت - في القصيدة التي مطلعها:

أراك عصي الدمع شيمتك الصبر

أما للهوى أمر عليك ولا نهي

بلى أنا مشتاق وعندي لوعة

ولكن مثلي لا يذاع له سر

وفيها يقول:

وإنا أناس لا توسط بيننا

لنا الصدر دون العالمين أو القبر

نعود إلى بدر، حيث اعترض الكفار حينما أخرج لهم رسول الله بعض رجال الأنصار فقالوا: هؤلاء نكرات من الأنصار، نريد أن تخرج لنا أكفاءنا من رجال قريش، فأخرج لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وحمزة وعبيد بن الحارث بن عبد المطلب، وأخرجوا هم عتبة وشيبة والوليد، وكان ما كان من نصرة المسلمين وهزيمة المشركين. وهذا هو اليوم الذي قال الله فيه:

ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون

[آل عمران: 123]. إذن: فبدر كانت فصلا دنيويا بين هذين الخصمين، ويبقى فصل الآخرة الذي قال فيه الإمام علي: " أنا أول من يجثو بين يدي الله يوم القيامة للفصل ". ومعنى: ﴿ اختصموا في ربهم.. ﴾ [الحج: 19] أي: بسبب اختلافهم في ربهم، ففريق يؤمن بوجود إله، وفريق ينكره، فريق يثبت له الصفات، وفريق ينفي عنه هذه الصفات، يعني: انقسموا بين إيمان وكفر. ثم يفصل القول: ﴿ فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم ﴾ [الحج: 19]. ﴿ قطعت لهم ثياب من نار.. ﴾ [الحج: 19] كأن النار تفصيل على قدر جسومهم إحكاما للعذاب، ومبالغة فيه، فليس فيها اتساع يمكن أن يقلل من شدتها، وليست فضفاضة عليهم. ثم ﴿ يصب من فوق رءوسهم الحميم ﴾ [الحج: 19] والحميم: الماء الذي بلغ منتهى الحرارة، حتى صار هو نفسه محرقا من شدة حره، ولك أن تتصور ماء يغليه ربنا عز وجل!! وهكذا يجمع الله عليهم ألوان العذاب لأن الثياب يرتديها الإنسان لتستر عورته، وتقيه الحر والبرد، ففيها شمول لمنفعة الجسم، يقول تعالى:

وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون

[النحل: 112]. فالإذاقة ليست في اللباس، إنما بشيء آخر، واللباس يعطي الإحاطة والشمول، لتعم الإذاقة كل أطراف البدن، وتحكم عليه مبالغة في العذاب.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٧٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٧٥١