تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18.30

وهنا نلاحظ أن الحق سبحانه عطف على الإيمان العمل الصالح لأن الإيمان هو العقيدة التي ينبع عن أصلها السلوك، فلا جدوى من الإيمان بلا عمل بمقتضى هذا الإيمان، وفائدة الإيمان أن توثق الأمر أو النهي إلى الله الذي آمنت به لذلك جاء الجمع بين الإيمان والعمل الصالح في مواضع عدة من كتاب الله، منها قوله تعالى:

والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 1-3]. ذلك لأن المؤمنين إذا ما أثمر فيهم الإيمان العمل الصالح فإنهم سيتعرضون ولا بد لكثير من المتاعب والمشاق التي تحتاج إلى التواصي بالصبر والتواصي بالحق، ولنا أسوة في هذه المسألة بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين تحملوا عبء الدعوة وصبروا على الأذى في سبيل إيمانهم بالله تعالى. ثم يقول تعالى: ﴿ إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ﴾ [الكهف: 30]. نلاحظ أن ﴿ من ﴾ هنا عامة للمؤمن والكافر لذلك لم يقل سبحانه: إنا لا نضيع أجر من أحسن الإيمان لأن العامل الذي يحسن العمل قد يكون كافرا، ومع ذلك لا يبخسه الله تعالى حقه، بل يعطيه حظه من الجزاء في الدنيا. فالكافر إن اجتهد وأحسن في علم أو زراعة أو تجارة لا يحرم ثمرة عمله واجتهاده، لكنها تعجل له في الدنيا وتنتهي المسألة حيث لا حظ له في الآخرة. ويقول تبارك وتعالى:

وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا

[الفرقان: 23]. ويقول تعالى:

من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشآء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا

[الإسراء: 18]. ويقول تعالى:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب

[النور: 39]. فهؤلاء قد استوفوا أجورهم، وأخذوا حظهم في الدنيا ألوانا من النعيم والمدح والثناء، وخلدت ذكراهم، وأقيمت لهم التماثيل والاحتفالات لذلك يأتي في الآخرة فلا يجد إلا الحسرة والندامة حيث فوجئ بوجود إله لم يكن يؤمن به، والإنسان إنما يطلب أجره ممن عمل من أجله، وهؤلاء ما عملوا لله بل للإنسانية وللمجتمع وللشهرة وقد نالوا هذا كله في الدنيا، ولم يبق لهم شيء في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ أولئك لهم جنات عدن... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٨١