تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18.87

قوله: ﴿ فسوف نعذبه.. ﴾ [الكهف: 87] يعطينا إشارة إلى المهلة التي سيعطيها لهؤلاء، مهلة تمكنه أن يعظهم ويذكرهم ويفهمهم مطلوبات دين الله. وسبق أن قلنا: إن الظلم أنواع، أفظعها وأعلاها الشرك بالله، كما قال تعالى:

إن الشرك لظلم عظيم

[لقمان: 13]. ثم يقول تعالى: ﴿ ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا ﴾ [الكهف: 87]. فلن نعذبه على قدر ما فعل، بل نعذبه عقوبة دنيوية فقط لأن العقوبات الدنيوية شرعت لحفظ توازن المجتمع، وردع من لا يرتدع بالموعظة، وإلا فما فائدة الموعظة في غير المؤمن؟ لذلك نرى الأمم التي لا تؤمن بإله، ولا بالقيامة والآخرة تشرع هذه العقوبات الدنيوية لتستقيم أوضاعها. وبعد عذاب الدنيا وعقوبتها هناك عذاب أشد في الآخرة ﴿ عذابا نكرا ﴾ [الكهف: 87] والشيء النكر: هو الذي لا نعرفه، ولا عهد لنا به أو ألفة لأننا حينما نعذب في الدنيا نعذب بفطرتنا وطاقتنا، أما عذاب الله في الآخرة فهو شيء لا نعرفه، وفوق مداركنا وإمكاناتنا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى... ﴾.

18.88

قوله: ﴿ فله جزآء الحسنى.. ﴾ [الكهف: 88] أي: نعطيه الجزاء الحسن ﴿ وسنقول له من أمرنا يسرا ﴾ [الكهف: 88] نقول له الكلام الطيب الذي يشجعه ويحفزه، وإن كلفناه كلفناه بالأمر اليسير غير الشاق. وهذه الآية تضع لنا أساس عملية الجزاء التي هي ميزان المجتمع وسبب نهضته، فمجتمع بلا جزاءات تثيب المجد وتعاقب المقصر مجتمع ينتهي إلى الفوضى والتسيب، فإن أمن الناس العقاب تكاسلوا، وربما ما تعانيه مصر الآن من سوء الإدارة راجع إلى ما في المجتمع من أشخاص فوق القانون لا نستطيع معاقبتهم فيتسيب الآخرون. وكذلك نرى المراتب والجوائز يظفر بها من لا يعمل، ويظفر بها من يتقرب ويتودد ويتملق وينافق، ولهؤلاء أساليبهم الملتوية التي يجيدونها، أما الذي يجد ويعمل ويخلص فهو منهك القوى مشغول بإجادة عمله وإتقانه، لا وقت لديه لهذه الأساليب الملتوية، فهو يتقرب بعمله وإتقانه، وهذا الذي يستحق التكريم ويستحق الجائزة. ولك أن تتصور مدى الفساد والتسيب الذي تسببه هذه الصورة المقلوبة المعوجة. إذن: فميزان المجتمع وأساس نهضته: ﴿ أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا * وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا ﴾ [الكهف: 87-88]. فما أجمل أن نرصد المكافآت التشجيعية والجوائز، ونقيم حفلات التكريم للمتميزين والمثاليين، شريطة أن يقوم ميزان الاختيار على الحق والعدل. والحسنى: أفعل التفضيل المؤنث لحسن، فإذا أعطيناه الحسنى فالحسن من باب أولى، ومن هذا قوله تعالى:

للذين أحسنوا الحسنى وزيادة..

[يونس: 26].

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٤٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٤٢٤