تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18.103

قل أي: يا محمد ﴿ هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ﴾ [الكهف: 103] الأخسر: اسم تفضيل من خاسر، فأخسر يعني أكثر خسارة أعمالا أي: خسارتهم بسبب أعمالهم. وهؤلاء الأخسرين هم: ﴿ الذين ضل سعيهم... ﴾.

18.104

وقد ضل سعي هؤلاء لأنهم يفعلون الشر، ويظنون أنه خير، فهم ضالون من حيث يظنون الهداية. ومن ذلك ما نراه من أعمال الكفار حيث يبنون المستشفيات والمدارس وجمعيات الخير والبر، وينادون بالمساواة وغيرها من القيم الطيبة، ويحسبون بذلك أنهم أحسنوا صنعا وقدموا خيرا، لكن هل أعمالهم هذه كانت لله؟ الواقع أنهم يعملونها للناس وللشهرة وللتاريخ، فليأخذوا أجورهم من الناس ومن التاريخ تعظيما وتكريما وتخليدا لذكراهم. ومعنى: ﴿ ضل سعيهم.. ﴾ [الكهف: 104] أي: بطل وذهب، وكأنه لا شيء، مثل السراب كما صورهم الحق سبحانه في قوله:

والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا..

[النور: 39]. وهؤلاء لا يبخسهم الله حقوقهم، ولا يمنعهم الأجر لأنهم أحسنوا الأسباب، لكن هذا الجزاء يكون في الدنيا لأنهم لما عملوا وأحسنوا الأسباب عملوا للدنيا، ولا نصيب لهم في جزاء الآخرة. وقد أوضح الحق سبحانه وتعالى هذه المسألة في قوله تعالى:

من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب

[الشورى: 20]. ومع ذلك يبقي للكافر حقه، فلا يجوز لأحد من المؤمنين أن يظلمه أو يعتدي عليه، وفي حديث سيدنا جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال:

" سمعت أن محدثا حدث عن رسول الله بحديث أحببت ألا أموت، أو يموت هو حتى أسمعه منه، فسألت عنه فقيل: إنه ذهب إلى الشام، قال: فاشتريت ناقة ورحلتها، وسرت شهرا إلى أن وصلت إلى الشام، فسألت عنه فقيل: إنه عبد الله بن أنيس، فلما ذهبت قال له خادمه: إن جابر بن عبد الله بالباب، قال جابر: فخرج ابن أنيس وقد وطئ ثيابه من سرعته. قال عبد الله: واعتنقا. قال جابر: حدثت أنك حدثت حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله ينادي يوم القيامة: يا ملائكتي، أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند أحد من أهل النار حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة ".

فانظر إلى دقة الميزان وعدالة السماء التي تراعي حق الكافر، فتقتص له قبل أن يدخل النار، حتى ولو كان ظالمه مؤمنا. وفي قوله تعالى: ﴿ ضل سعيهم في الحياة الدنيا.. ﴾ [الكهف: 104] جاءت كلمة الضلال في القرآن الكريم في عدة استعمالات يحددها السياق الذي وردت فيه. فقد يأتي الضلال بمعنى الكفر، وهو قمة الضلال وقمة المعاصي، كما جاء في قول الحق تبارك وتعالى:

أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سوآء السبيل

[البقرة: 108]. ويطلق الضلال، ويراد به المعصية حتى من المؤمن، كما جاء في قوله تعالى:

وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا

[الأحزاب: 36]. ويطلق الضلال، ويراد به أن يغيب في الأرض، كما في قوله تعالى:

أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد..

[السجدة: 10]. يعني: غبنا فيها واختفينا. ويطلق الضلال ويراد به النسيان، كما في قوله تعالى:

أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى..

[البقرة: 282]. ويأتي الضلال بمعنى الغفلة التي تصيب الإنسان فيقع في الذنب دون قصد. كما جاء في قصة موسى وفرعون حينما وكز موسى الرجل فقضى عليه، فلما كلمه فرعون قال:

فعلتهآ إذا وأنا من الضالين

[الشعراء: 20]. أي: قتلته حال غفلة ودون قصد، ومن يعرف أن الوكزة تقتل؟ والحقيقة أن أجل الرجل جاء مع الوكزة لا بها. ويحدث كثيرا أن واحدا تدهسه سيارة وبتشريح الجثة يتبين أنه مات بالسكتة القلبية التي صادفت حادثة السيارة. ويأتي الضلال بمعنى: ألا تعرف تفصيل الشيء، كما في قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٤٣٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٤٣٤