تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18.36

هكذا أطلق لغروره العنان، وإن قبلت منه:

مآ أظن أن تبيد هذه أبدا

[الكهف: 35] فلا يقبل منه ﴿ ومآ أظن الساعة قائمة.. ﴾ [الكهف: 36] لذلك لما أنكر قيام الساعة هزته الأوامر الوجدانية، فاستدرك قائلا: ﴿ ولئن رددت إلى ربي.. ﴾ [الكهف: 36] أي: على كل حال إن رددت إلى ربي في القيامة، فسوف يكون لي أكثر من هذا وأعظم، وكأنه ضمن أن الله تعالى أعد له ما هو أفضل من هذا. ونقف لنتأمل قول هذا الجاحد المستعلي بنعمة الله عليه المفتون بها: ﴿ ولئن رددت إلى ربي.. ﴾ [الكهف: 36] حيث يعرف أن له ربا سيرجع إليه، فإن كنت كذوبا فكن ذكورا، لا تناقض نفسك، فما حدث منك من استعلاء وغرور وشك في قيام الساعة يتنافى وقولك ﴿ ربي ﴾ ولا يناسبه. و ﴿ منقلبا ﴾ أي: مرجعا. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قال له صاحبه وهو يحاوره... ﴾.

18.37

هنا يرد عليه صاحبه المؤمن محاورا ومجادلا ليجلي له وجه الصواب: ﴿ أكفرت بالذي خلقك من تراب.. ﴾ [الكهف: 37] أي: كلامك السابق أنا أنا، وما أنت فيه من استعلاء وإنكار، أتذكر هذا كله ولا تذكر بدايتك ومنشأك من تراب الذي هو أصل خلقك ﴿ ثم من نطفة.. ﴾ [الكهف: 37] وهي أصل التناسل ﴿ ثم سواك رجلا ﴾ [الكهف: 37] أي: كاملا مستويا ملو هدومك. و ﴿ سواك.. ﴾ [الكهف: 37] التسوية: هي إعداد الشيء إعدادا يناسب مهمته في الحياة، وقلنا: إن العود الحديد السوي مستقيم، والخطاف في نهايته أعوج، والاعوجاج في الخطاف هو عين استقامته واستواء مهمته لأن مهمته أن نخطف به الشيء، ولو كان الخطاف هذا مستقيما لما أدى مهمته المرادة. والهمزة في ﴿ أكفرت.. ﴾ [الكهف: 37] ليست للاستفهام، بل هي استنكار لما يقوله صاحبه، وما بدر منه من كفر ونسيان لحقيقة أمره وبداية خلقه. والتراب هو أصل الإنسان، وهو أيضا مرحلة من مراحل خلقه لأن الله تعالى ذكر في خلق الإنسان مرة

من مآء

[السجدة: 8] ومرة

من تراب

[آل عمران: 59]، [الروم: 20] ومرة

من حمإ مسنون

[الحجر: 26] ومرة

من صلصال كالفخار

[الرحمن: 14]. لذلك يعترض البعض على هذه الأشياء المختلفة في خلق الإنسان، والحقيقة أنها شيء واحد، له مراحل متعددة انتقالية، فإن أضفت الماء للتراب صار طينا، فإذا ما خلطت الطين بعضه ببعض صار حمأ مسنونا، فإذا تركته حتى يجف ويتماسك صار صلصالا، إذن: فهي مرحليات لشيء واحد. ثم يقول الحق سبحانه أن هذا المؤمن قال: ﴿ لكنا هو الله ربي... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٨٨