تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

18.6

ومعنى: ﴿ باخع نفسك.. ﴾ [الكهف: 6] أي: تجهد نفسك في دعوة قومك إجهادا يهلكها، وفي الآية إشفاق على رسول الله لأنه حمل نفسه في سبيل هداية قومه ما لا يحمله الله ويلزم ما لا يلزمه، فقد كان صلى الله عليه وسلم يدعو قومه فيعرضوا ويتولوا عنه فيشيع آثارهم بالأسف والحزن، كما يسافر عنك حبيب أو عزيز، فتسير على أثره تملؤك مرارة الأسى والفراق، فكأن رسول الله لحبه لقومه وحرصه على هدايتهم يكاد يهلك نفسه ﴿ أسفا ﴾. والأسف: الحزن العميق، ومنه قول يعقوب عليه السلام:

يأسفى على يوسف..

[يوسف: 84] وقوله تعالى عن موسى لما رجع إلى قومه غاضبا من عبادتهم العجل:

فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا..

[طه: 86]. وقد حدد الله تعالى مهمة الرسول وهي البلاغ، وجعله بشيرا ونذيرا، ولم يكلفه من أمر الدعوة ما لا يطيق، ففي الآية مظهر من مظاهر رحمة الله برسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول الحق سبحانه: ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها... ﴾.

18.7

وكأن هذه الآية تعقيب على سابقتها، وإشارة لرسول الله بأن الدنيا قصيرة، فالمسألة - إذن - قريبة فلا داعي لأن يهلك نفسه حزنا على عناد قومه، فالدنيا لكل إنسان مدة بقائه بها وعيشه فيها، ولا دخل له بعمرها الحقيقي لأن حياة غيره لا تعود عليه بشيء، وعلى هذا فما أقصر الدنيا، وما أسرع انتهائها، ثم يرجعون إلينا فنجازيهم بما عملوا، فلا تحزن ولا تيأس، ولا تكدر نفسك، لأنهم لم يؤمنوا. فقوله تعالى: ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها.. ﴾ [الكهف: 7] أي: كل ما على الأرض هو زينة، والزينة هي الزخرف الذي يبرق أمام الأعين فيغريها، ثم يندثر ويتلاشى، وقد أوضح لنا القرآن هذه المسألة في قوله تعالى:

واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كمآء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح..

[الكهف: 45]. فإياك أن يأخذك هذا الزخرف لأنه زهر سرعان ما يذبل ويصير حطاما. وقوله: ﴿ لنبلوهم.. ﴾ [الكهف: 7] البلاء يعني: الاختبار والامتحان. وليس المصيبة كما يظن البعض لأن المصيبة تكون على من يخفق في الاختبار، والابتلاء لهم من الله مع علمه تعالى بأمرهم وما سيحدث منهم مسبقا، ولكن لنعرف معرفة الواقع وشهادة الواقع. وما أشبه هذه المسألة بالتلميذ الذي يتنبأ له أستاذه بالفشل لما يراه من مقدمات يعرفها عن عقليته وعن اجتهاده والتفاته يحكم من خلالها، فإذا ما دخل التلميذ الاختبار فشل فيه وأخفق، لكن هل يعني هذا أن نلغي الاختبارات في مدارسنا اعتمادا على خبرة المعلم بتلاميذه؟ لا بد من الاختبار ليقوم شاهدا واقعيا على من يخفق. إذن: معنى: ﴿ لنبلوهم.. ﴾ [الكهف: 7] أي: بلاء شهادة منهم على أنفسهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وإنا لجاعلون ما عليها... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٦١