18.107
قوله: ﴿ إن الذين آمنوا.. ﴾ [الكهف: 107] سبق أن قلنا: إن الإيمان هو تصحيح الينبوع الوجداني العقدي لتصدر الأفعال مناسبة لإيمانك بمن شرع، ومن هنا كان الإيمان أولا وشرطا لقبول العمل، وإلا فهناك من يعمل الخير لا من منطلق إيماني بل لاعتبارات أخرى، والنية شرط لازم في قبول العمل. لذلك يعاقب الله تعالى من يعمل لغير الله، يعاقبه بأن ينكره صاحبه ويجحده ويكرهه بسببه، بدل أن يعترف له بالجميل. ومن هنا قالوا: اتق شر من أحسنت إليه وهذا قول صحيح لأنك حين تحسن إلى شخص تدك كبرياءه، وتكون يدك العليا عليه، فإذا ما أخذ حظا من الحياة وأصبح ذا مكانة بين الناس فإن كان غير سوي النفس فإنه لا يحب من تفضل عليه في يوم من الأيام ودك كبرياءه لذلك تراه يكره وجوده، ولا يحب أن يراه وربما دبر لك المكائد لتختفي من طريقه، وتخلي له الساحة لأنك الوحيد الذي يحرجه حضورك. لذلك، من عمل عملا لغير الله أسلمه الله لمن عمل له، فليأخذ منه الجزاء، وإذا بالجزاء يأتي على خلاف ما تنتظر، فقد فعلت له ليكرمك فإذا به يهينك، فعلت له ليحترمك فإذا به يحقرك، فعلت له ليواليك فإذا به عدو لك لذلك يقولون: العمل لله عاجل الجزاء، أما العمل لغير الله فغير مضمون العواقب، فقد يوفي لك وقد لا يوفي. ثم أردف الحق - سبحانه وتعالى - الإيمان بالعمل الصالح لأن العمل الصالح لا بد له أن ينطلق من الإيمان ويصدر عنه، فقال تعالى: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. ﴾ [الكهف: 107]. ﴿ وعملوا الصالحات.. ﴾ [الكهف: 107] يعني: عمل الشيء الصالح، فإن كان الشيء صالحا بنفسه فليتركه على صلاحه لا يفسده، أو يزيده صلاحا، كبئر الماء الذي يشرب منه الناس، فإما أن تتركه على حال صلاحه لا تلقي فيه ما يسده أو يفسده فتخرج الصالح عن صلاحه، وإما أن تزيده صلاحا فتضيف إليه ما يحسن من أدائه ويزيد من كفاءته كأن تبني حوله سورا يحميه أو غطاء يحفظه، أو آلة رفع تيسر على الناس استعماله. والفرد حين يعمل الصالحات تكون حصيلته من صلاح غيره أكثر من حصيلته من عمله هو لأنه فرد واحد، ويستفيد بصلاح المجتمع كله، ومن هنا لا ينبغي أن تستثقل أوامر الشارع وتكليفاته لأنه يأخذ منك ليعطيك وليؤمن حياتك وقت الحاجة والعوز، وحينما يتوفر لك هذا التكافل الاجتماعي تستقبل الحياة بنفس راضية حال اليسر مطمئنة حال العسر. وساعة أن يأمرك الشرع بكفالة اليتيم وإكرامه، فإنه يطمئنك على أولادك من بعدك، فلا تحزن إن أصابك مكروه لأنك في مجتمع متعاون، سيكفل أولادك، بل قد يكون اليتيم في ظل الإسلام وتعاليمه أسعد حظا من حياته في رعاية أبيه لأنه بموت أبيه يجد المؤمنين جميعا آباء له، وربما كان أبوه مشغولا عنه في حياته لا يفيده بشيء، بل ويصد عنه الخير حيث يقول الناس: أبوه موجود وهو يتكفل به.
لذلك يقول أحمد شوقي:
ليس اليتيم من انتهى أبواه
من هم الحياة وخلفاه ذليلا
إن اليتيم هو الذي تلقى له
أما تخلت أو أبا مشغولا
وقوله تعالى: ﴿ كانت لهم جنات الفردوس نزلا ﴾ [الكهف: 107] الفردوس: هو أعلى الجنة، والنزل: ما يعده الإنسان لإكرام ضيفه من الإقامة ومقومات الحياة وترفها، والإنسان حينما يعد النزل لضيفه يعده على حسب قدراته وإمكانياته وعلمه بالأشياء، فما بالك إن كان المعد للنزل هو الله تبارك وتعالى؟ ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ خالدين فيها لا يبغون... ﴾.