تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والورق يعني العملة من الفضة، فأرادوا أن يرسلوا أحدهم بما معهم من النقود ليشتري لهم من المدينة طعاما لأنهم بمجرد أن استيقظوا انتهت حالتهم الاستثنائية، وعادوا إلى طبيعتهم لذلك طلبوا الطعام، لكن نلحظ هنا أن الجوع لم يحملهم على طلب مطلق الطعام، بل تراهم حريصين على تزكية طعامهم واختيار أطيبه وأطهره، وأبعده عن الحرام. وكذلك لم يفتهم أن يكونوا على حذر من قومهم، فمن سيذهب منهم إلى هذه المهمة عليه أن يدخل المدينة خلسة، وأن يتلطف في الأمر حتى لا يشعر به أحد من القوم، ذلك لأنهم استيقظوا على الحالة التي ناموا عليها، وما زالوا على حذر من قومهم يظنون أنهم يتتبعونهم ويبحثون عنهم، ويسعون للقضاء عليهم. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم... ﴾.

18.20

وهذا احتياط منهم للدين، وحماية للعقيدة التي فروا بها. فإن يرجموكم فسينتصرون عليكم في الدنيا، إنما ستأخذون الآخرة، وإن ردوكم إلى دينهم، فلن تفلحوا في الدنيا ولا في الآخرة. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا... ﴾.

18.21

في قوله تعالى: ﴿ وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها.. ﴾ [الكهف: 21] يقيم من أهل الكهف دليلا على قيام الساعة والبعث بعد الموت، فها أنتم ما زلتم على قيد الحياة وفي سعة الدنيا، ومع ذلك أنامكم الله هذه النومة الطويلة ثم بعثكم، وقد عثر عليهم، وما زالت فيهم حياة. ثم يقول تعالى: ﴿ إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم.. ﴾ [الكهف: 21] حدث هذا التنازع من الجماعة الذين عثروا عليهم، ويبدو أنهم كانوا على مسحة من الدين، فأرادوا أن يحافظوا على هذه الآية الإلهية، ويصح أنهم بمجرد أن عثروا عليهم قضى أجلهم فماتوا. وهذه مسألة يجب أن يؤرخ لها، وأن تخلد لذلك جعلوها مثلا شرودا للعالم كله لتعرف قصة هؤلاء الفتية الذين ضحوا في سبيل عقيدتهم وفروا بدينهم من سعة الحياة إلى ضيق الكهف ليكونوا مثلا لكل أهل العقيدة، ودليلا على أن الله تعالى ينصر أهله ويدافع عنهم ويخلد ذكراهم إلى قيام الساعة. لذلك قال بعضهم لبعض: ﴿ ابنوا عليهم بنيانا.. ﴾ [الكهف: 21] أي: مطلق البنيان، فعارضهم آخرون بأن البناء يجب أن يكون مسجدا ﴿ قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ﴾ [الكهف: 21] ليكون موضعا للسجود لله وللعبادة ليتناسب مع هذه الآية العظيمة الخالدة. ثم تحدث الحق سبحانه عن الاختلافات التي نشأت عن فضول الناس لمعرفة عدد أهل الكهف، وما يتعلق بهم من تفصيلات هي في حقيقتها علم لا ينفع وجهل لا يضر، فقال تعالى: ﴿ سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٣٣٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٣٣٧١