[الكهف: 107]. وقوله تعالى:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم
[فصلت: 30-32]. فالذي أعد هذا النزل وهذه الضيافة هو الغفور الرحيم، والذي يعد نزلا لضيفه يعده على قدر غناه وبسطة كرمه، فما بالك بنزل أعده الله لأحبابه وأوليائه؟ وذيل الآية بقوله:
غفور رحيم
[فصلت: 32] لأنه ما من مؤمن إلا وقد عمل سيئة، أو هم بها، وكأن الحق سبحانه يقول: إياك أن تذكر ما كان منك وأنت في هذا النزل الكريم، فالله غفور لسيئتك، رحيم بك، يقبل توبتك، ويمحو أثر سيئتك. والحديث عن النزل هنا في الجنة، فهي محل الإكرام والضيافة، فإن استخدم في النار فهو للتهكم والسخرية من أهلها، كما قال تعالى:
وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من حميم
[الواقعة: 92-93] فقد استخدم النزل في غير مقتضاه. بعد أن جاء الأمر الإلهي في قوله تعالى: ﴿ فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. ﴾ [الكهف: 29] أراد سبحانه أن يبين حكم كل من الاختيارين: الإيمان، والكفر على طريقة اللف والنشر، وهو أسلوب معروف في العربية، وهو أن تذكر عدة أشياء، ثم تورد أحكامها حسب ترتيبها الأول، أو تذكرها مشوشة دون ترتيب. ومن النوع الأول الذي يأتي فيه اللف والنشر على الترتيب قوله تعالى:
ومن رحمته جعل لكم اليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله..
[القصص: 73] أي: لتسكنوا في الليل، وتبتغوا من فضل الله في النهار. فالترتيب إذا كان الحكم الأول للمحكوم عليه الأول، والحكم الثاني للمحكوم عليه الثاني وهكذا، ومن ذلك قول الشاعر:
قلبي وجفني واللسان وخالقي
هذه أربع مخبر عنها، فما قصتها وبماذا أخبرنا عنها؟ يقول:
قلبي وجفني واللسان وخالقي
راض وباك شاكر وغفور
فتكون على الترتيب: قلبي راض، وجفني باك، ولساني شاكر، وخالقي غفور. ومرة يأتي اللف والنشر على التشويش ودون ترتيب ثقة بأن نباهة السامع سترد كل شيء إلى أصله كما في الآية التي نحن بصددها، فتلاحظ أن الحق سبحانه بعد أن قال: ﴿ فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر.. ﴾ [الكهف: 29] فبدأ باختيار الإيمان ثم ذكر الكفر، أما في الحكم على كل منهما فقد ذكر حكم الكفر أولا: ﴿ إنا أعتدنا للظالمين نارا.. ﴾ [الكهف: 29] ثم ذكر بعده حكم المؤمنين:
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا
[الكهف: 30]. وليكن في الاعتبار أن المتكلم رب حكيم، ما من حرف من كلامه إلا وله مغزى، ووراءه حكمة، ذلك أنه تعالى لما تكلم عن الإيمان جعله اختيارا خاضعا لمشيئة العبد، لكنه تعالى رجح أن يكون الإيمان أولا وأن يسبق الكفر. أما حينما يتكلم عن حكم كل منهما، فقد بدأ بحكم الكفر من باب أن " درء المفسدة مقدم على جلب المنفعة ". ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات... ﴾.