18.41
﴿ غورا ﴾ أي: غائرا في الأرض، فإن قلت: يمكن أن يكون الماء غائرا، ونستطيع إخراجه بالآلات مثلا، لذلك يقطع أمله في أي حيلة يفكر فيها: ﴿ فلن تستطيع له طلبا ﴾ [الكهف: 41] أي: لن تصل إليه بأي وسيلة من وسائلك، ومن ذلك قوله تعالى في آية أخرى:
قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم بمآء معين
[الملك: 30]. لاحظ أن هذا الكلام من المؤمن لصاحبه الكافر مجرد رجاء يخاطبه به:
فعسى ربي..
[الكهف: 40] رجاء لم يحدث بعد، ولم يصل إلى إيقاعيات القدر. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها وهي خاوية على عروشها... ﴾.
18.42
هكذا انتقل الرجاء إلى التنفيذ، وكأن الله تعالى استجاب للرجل المؤمن ولم يكذب توقعه ﴿ وأحيط بثمره ﴾ [الكهف: 42] أحيط: كأن جعل حول الثمر سورا يحيط به، فلا يكون له منفذ، كما قال في آية أخرى:
وظنوا أنهم أحيط بهم
[يونس: 22]. وتلاحظ أنه سبحانه قال: ﴿ وأحيط بثمره ﴾ [الكهف: 42] ولم يقل مثلا: أحيط بزرعه أو بنخله لأن الإحاطة قد تكون بالشيء، ثم يثمر بعد ذلك، لكن الإحاطة هنا جاءت على الثمر ذاته، وهو قريب الجني قريب التناول، وبذلك تكون الفاجعة فيه أشد، والثمر هو الغاية والمحصلة النهائية للزرع. ثم يصور الحق سبحانه ندم صاحب الجنة وأسفه عليها: ﴿ فأصبح يقلب كفيه على مآ أنفق فيها ﴾ [الكهف: 42] أي: يضرب كفا بكف، كما يفعل الإنسان حينما يفاجئه أمر لا يتوقعه، فيقف مبهوتا لا يدري ما يقول، فيضرب كفا بكف لا يتكلم إلا بعد أن يفيق من هول هذه المفاجأة ودهشتها. ويقلب كفيه على أي شيء؟ يقلب كفيه ندما على ما أنفق فيها ﴿ وهي خاوية على عروشها ﴾ [الكهف: 42] خاوية: أي خربة جرداء جدباء، كما قال سبحانه في آية أخرى:
أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها
[البقرة: 259]. ومعلوم أن العروش تكون فوق، فلما نزلت عليها الصاعقة من السماء دكت عروشها، وجعلت عاليها سافلها، فوقع العرش أولا، ثم تهدمت عليه الجدران. وقوله تعالى: ﴿ ويقول يليتني لم أشرك بربي أحدا ﴾ [الكهف: 42] بعد أن ألجمته الدهشة عن الكلام، فراح يضرب كفا بكف، أفاق من دهشته، ونزع هذا النزوع القولي الفوري: ﴿ يليتني لم أشرك بربي أحدا ﴾ [الكهف: 42] يتمنى أنه لم يشرك بالله أحدا لأن الشركاء الذين اتخذهم من دون الله لم ينفعوه، لذلك قال بعدها: ﴿ ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله... ﴾.