18.8
الصعيد: هو طبقة التراب التي تظهر على وجه الأرض، ولا نبات فيها و ﴿ جرزا ﴾ هي الأرض الخالية من النبات، وقد يكون بها نبات، إلا أن الجراد أكله أو جاءته جائحة أهلكته، يقول تعالى:
أولم يروا أنا نسوق المآء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون
[السجدة: 27]. وما دام الأمر كذلك والدنيا زخرف سرعان ما يزول، فالأجل قريب، فدعهم لي أختبرهم، وأجازيهم بأعمالهم. ويقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم... ﴾.
18.9
وقد وردت قصة أهل الكهف نتيجة لسؤال كفار مكة الذين أرادوا أن يحرجوا رسول الله، ويروى أنهم أرسلوا رجلين منهم هما: النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أهل الكتاب في المدينة ليسألوهم عن صدق رسول الله، وما خبره عندهم، وما ورد عنه في كتبهم. وقد كان يهود المدينة قبل البعثة يتوعدون الأوس والخزرج عباد الأصنام ببعثة النبي الجديد، يقولون: لقد أطل زمان نبي نتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم لذلك رغب أهل مكة في سؤال يهود المدينة عن صدق رسول الله، فلما ذهب الرجلان إلى يهود المدينة قالوا: إن أردتم معرفة صدق محمد فاسألوه عن ثلاثة أشياء، فإن أجابكم فهو صادق، اسألوه: ما قصة القوم الذين ذهبوا في الدهر مذاهب عجيبة؟ وما قصة الرجل الطواف الذي طاف الأرض شرقا وغربا؟ وما الروح؟ وفعلا ذهب الرجلان إلى رسول الله، وسألاه هذه الأسئلة فقال صلى الله عليه وسلم:
" أخبركم بما سألتم عنه غدا "
وجاء غد وبعد غد ومرت خمسة عشر يوما دون أن يوحى لرسول الله شيء من أمر هذه الأسئلة، فشق ذلك على رسول الله وكبر في نفسه أن يعطي وعدا ولا ينجزه. وقالوا: إن سبب إبطاء الوحي على رسول الله في هذه المسألة أنه قال:
" أخبركم بما سألتم عنه غدا "
ولم يقل: إن شاء الله ولذلك خاطبه ربه تبارك وتعالى بقوله:
ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله..
[الكهف: 23-24]. وهذه الآية في حد ذاتها دليل على صدق رسول الله، وعلى أدبه، وعلى أمانته في البلاغ عن ربه عز وجل، وقد أراد الحق سبحانه أن يكون هذا الدرس في ذات الرسول ليكون نموذجا لغيره، وحتى لا يستنكف أحد إذا استدرك عليه شيء، فها هو محمد رسول الله يستدرك عليه ربه ويعدل له. فكأن قوله تعالى:
ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشآء الله..
[الكهف: 23-24] تربية للأمة في شخصية رسولها حتى لا يستنكف المربى من توجيه المربي، ما دام الهدف هو الوصول إلى الحقيقة، فإياكم أن ترفضوا استدراك رأي على رأي حتى وإن كان من الخلق، فما بالك إن كان الاستدراك من الخالق سبحانه، والتعديل والتربية من ناحيته؟ وإليك مثال لأدب الاستدراك ومشروعية استئناف الحكم، لقد ورد هذا الدرس في قوله تعالى:
وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين
[الأنبياء: 78]. فكان حكم داود عليه السلام في هذه المسألة أن يأخذ صاحب الزرع الغنم التي أكلت زرعه، فلما بلغ سليمان هذه الحكومة استدرك عليها قائلا: بل يأخذ صاحب الزرع الغنم ينتفع بها، ويأخذ صاحب الغنم الزرع يصلحه حتى يعود إلى ما كان عليه، ثم تعود الغنم إلى صاحبها، والزرع إلى صاحبه.
لذلك قال تعالى بعدها:
ففهمناها سليمان..
[الأنبياء: 79] ولم يتهم داود بالخطأ، بل قال:
وكلا آتينا حكما وعلما..
[الأنبياء: 79]. ونلحظ هنا أن الاستدراك لم يأت من الأب للابن، فيكون أمرا طبيعيا، بل جاء من الابن للأب ليؤكد على أنه لا غضاضة أن يستدرك الصغير على الكبير، أو الابن على الأب، فالهدف هو الوصول إلى الحق والصواب، ونبي الله سليمان في هذه المسألة لم يغض الطرف عن هذا القصور في حكومة أبيه، بل جهر بالحق ونطق به لأن الحق أعز من أي صلة حتى لو كانت صلة الأبوة. ومن هذه القضية نعلم أن استدراك الخلق على الخلق أمر طبيعي ومقبول لا يستنكف منه أحد، ومن هنا جاءت فكرة الاستئناف في المحاكم، فلعل القاضي في محكمة الاستئناف يستدرك على زميله في المحكمة الابتدائية، أو يقف على شيء لم يقف عليه، أو يرى جانبا من القضية لم يره. ولنا هنا وقفة مع أمانته صلى الله عليه وسلم في البلاغ عن الله، وأنه لم يكتم من الوحي شيئا حتى ما جاء في عتابه والاستدراك عليه، فكأنه أمين حتى على نفسه، فالرسول هو الذي بلغنا: