18.56
قلنا: إن الجدل قد يكون بالحق، وقد يكون بالباطل كما يفعل الذين كفروا هنا، فيجادلون بالباطل ويستخدمون كل الحيل لدحض الحق أي: ليعطلوه ويزيلوه ﴿ واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا ﴾ [الكهف: 56] أي: الآيات الكونية التي جاءت لتصديق الرسل، وكذلك آيات القرآن، وآيات الأحكام اتخذوها سخرية واستهزاء، ولم يعبأوا بما فيها من نذارة. ولذلك قال الحق سبحانه: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيت ربه فأعرض عنها... ﴾.
18.57
﴿ ومن أظلم.. ﴾ [الكهف: 57] جاء الخبر على صورة الاستفهام لتأكيد الكلام، كأن يدعي صاحبك أنك لم تصله، ولم تصنع معه معروفا، فمن الممكن أن تقول له: صنعت معك كذا وكذا على سبيل الخبر منك، والخبر يحتمل الصدق ويحتمل الكذب. إنما لو عرضت المسألة على سبيل الاستفهام فقلت له: ألم أصنع معك كذا؟ فسوف تجتذب منه الإقرار بذلك، وتقيم عليه الحجة من كلامه هو، وأنت لا تستفهم عن شيء من خصم إلا وأنت واثق أن جوابه لا يكون إلا بما تحب. وهكذا أخرج الحق سبحانه الخبر إلى الاستفهام: ﴿ ومن أظلم ممن ذكر بآيت ربه.. ﴾ [الكهف: 57]؟ وترك لنا الجواب لنقول نحن: لا أحد أظلم ممن فعل ذلك، والإقرار سيد الأدلة. وقوله ﴿ فأعرض عنها.. ﴾ [الكهف: 57] تركها ﴿ ونسي ما قدمت يداه.. ﴾ [الكهف: 57] نسى السيئات، وكان من الواجب أن يتنبه إلى هذه الآيات فيؤمن بها، لعل الله يتوب عليه بإيمانه، فيبدل سيئاته حسنات. ثم يقول تعالى: ﴿ إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه.. ﴾ [الكهف: 57]. أكنة: أغطية جمع كن، فجعل الله على قلوبهم أغطية، فلا يدخلها الإيمان، ولا يخرج منها الكفر، وليس هذا اضطهادا منه تعالى لعباده، تعالى الله عن ذلك، بل استجابة لما طلبوا وتلبية لما أحبوا، فلما أحبوا الكفر وانشرحت به صدورهم زادهم منه لأنه رب يعطي عبده ما يريد. كما قال عنهم في آية أخرى:
في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون
[البقرة: 10]. وقال تعالى في هذا المعنى:
ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة..
[البقرة: 7]. ومعنى: ﴿ أن يفقهوه.. ﴾ [الكهف: 57] أي: يفهموه، يفهموا آيات الله لأنهم سبق أن ذكروا بها فأعرضوا عنها، فحرمهم الله فقهها وفهمها. وقوله تعالى: ﴿ وفي آذانهم وقرا.. ﴾ [الكهف: 57] أي: صمم فلا يسمعون ﴿ وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا ﴾ [الكهف: 57] وهذا أمر طبيعي، بعد أن ختم الله على قلوبهم وعلى أسماعهم، وسد عليهم منافذ العلم والهداية لأن الهدى ناشىء من أن تسمع كلمة الحق، فيستقبلها قلبك بالرضا، فتنفعل لها جوارحك بالالتزام، فتسمع بالأذن، وتقبل بالقلب، وتنفعل بالجوارح طاعة والتزاما بما أمرت به. وما دام في الأذن وقر وصمم فلن تسمع، وإن سمعت شيئا أنكره القلب، والجوارح لا تنفعل إلا بما شحن به القلب من عقائد. ويقول الحق سبحانه: ﴿ وربك الغفور ذو الرحمة... ﴾.