18.97
﴿ أن يظهروه ﴾ أي: ما استطاعت يأجوج ومأجوج أن يعلوا السد أو يتسلقوه وينفذوا من أعلاه لأنه ناعم أملس، ليس به ما يمكن الإمساك به: ﴿ وما استطاعوا له نقبا ﴾ [الكهف: 97] لأنه صلب. ثم يقول تعالى على لسان ذي القرنين: ﴿ قال هذا رحمة من ربي... ﴾.
18.98
لم يفت ذا القرنين - وهو الرجل الصالح - أن يسند النعمة إلى المنعم الأول، وأن يعترف بأنه مجرد واسطة وأداة لتنفيذ أمر الله: ﴿ قال هذا رحمة من ربي فإذا جآء وعد ربي ﴾ [الكهف: 98] لأنني أخذت المقومات التي منحني الله إياها، واستعملتها في خدمة عباده. الفكر مخلوق لله، والطاقة والقوة مخلوقة لله، المواد والعناصر في الطبيعة مخلوقة لله، إذن: فما لي أن أقول: أنا عملت كذا وكذا؟ ثم يقول تعالى: ﴿ فإذا جآء وعد ربي.. ﴾ [الكهف: 98] أي: الآخرة ﴿ جعله دكآء.. ﴾ [الكهف: 98] فإياكم أن تظنوا أن صلابة هذا السد ومتانته باقية خالدة، إنما هذا عمل للدنيا فحسب، فإذا أتى وعد الله بالآخرة والقيامة جعله الله دكا وسواه بالأرض، ذلك لكي لا يغترون به ولا يتمردون على غيرهم بعد أن كانوا مستذلين مستضعفين ليأجوج ومأجوج. وكأنه يعطيهم رصيدا ومناعة تقيهم الطغيان بعد الاستغناء. ﴿ وكان وعد ربي حقا ﴾ [الكهف: 98] واقعا لا شك فيه. والتحقيق الأخير في مسألة ذي القرنين وبناء السد أنه واقع بمكان يسمى الآن بلخ والجبلان من جبال القوقاز، وهما موجودان فعلا، وبينهما فجوة مبني فيها، ويقولون: إن صاحب هذا البناء هو قورش، وهذا المكان الآن بين بحر قزوين والبحر الأسود. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ... ﴾.