18.12
﴿ بعثناهم ﴾ أي: أيقظناهم من نومهم الطويل، وما داموا قد ناموا فالأمر إذن ليس موتا إلا أنهم لما طالت مدة نومهم شبهها بالموت: ﴿ لنعلم أي الحزبين.. ﴾ [الكهف: 12] أي: الفريقين منهم لأنهم سأل بعضهم بعضا عن مدة لبثهم فقالوا: يوما أو بعض يوم. أو: المراد الفريقان من الناس الذين اختلفوا في تحديد مدة نومهم: ﴿ أحصى لما لبثوا أمدا ﴾ [الكهف: 12] أي: لنرى أي الفريقين سيقدر مدتهم تقديرا صائبا. والأمد: هو المدة وعدد السنين. والمتأمل في الآيات السابقة يجد فيها ملخصا للقصة وموجزا لها، وكأنها برقية سريعة بما حدث، فأهل الكهف فتية مؤمنون فروا بدينهم إلى كهف من الكهوف، وضرب الله على آذانهم فناموا مدة طويلة، ثم بعثهم الله ليعلم من يحصي مدة نومهم، وهذه البرقية بالطبع لم تعطنا تفصيلا لكل لقطات القصة لذلك تبدأ الآيات في التفصيل فيقول تعالى: ﴿ نحن نقص عليك نبأهم بالحق... ﴾.
18.13
﴿ نحن ﴾ أي: الحق سبحانه وتعالى، فهو الذي يقص ما حدث بالحق، فلو أن القاص غير الله لتوقع منه الخطأ أو النسيان، أو ترك شيء من الأحداث لهوى في نفسه، إنما إن جاءك القصص من الله فهو الحق، كما قال في آية أخرى:
نحن نقص عليك أحسن القصص..
[يوسف: 3]. إذن: هناك قصص ليس بالحسن، وهو القصص غير الدقيق. فالقصص القرآني يضمن لك منتهى الدقة في عرض الأحداث، ويصور لك كل اللقطات، وكلمة قصة أو قصص تدل على دقة التتبع لأنها من قص الأثر أي: تتبعه وكان لهذه المهمة رجال معروفون بقصاصي الأثر، وهم الذين يتتبعون الواقع. و ﴿ نبأهم ﴾ النبأ: هو الخبر العظيم. ثم يقول تبارك وتعالى: ﴿ إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ﴾ [الكهف: 13]. هذا هو تفصيل القصة بعد أن لخصها القرآن في المذكرة والبرقية السابقة، وكأن الحق سبحانه يقول لرسوله: لقد ذكر ناس هذه القصة من قبل، لكنها قصت بغير الحق، وغير فيها، لكن قصنا لها هو القصص الحق الذي لا كذب فيه. فحقيقة هؤلاء أنهم فتية آمنوا بالله، وهذه قضيتهم التي ضحوا من أجلها، فلما آمنوا بالله تولاهم ونور بصائرهم وربط على قلوبهم، وزادهم إيمانا، كما قال في آية أخرى:
والذين اهتدوا زادهم هدى وءاتهم تقواهم
[محمد: 17]. وما أشبه هذه المسألة بالمعلم الذي يلمح أمارات النجابة والذكاء على أحد تلاميذه، ويراه مجيبا حريصا على العلم فيوليه اهتمامه ويمنحه المزيد من المعلومات. ونلاحظ هنا أن هؤلاء المؤمنين الذين ضحوا بكل شيء وفروا بدينهم ما زالوا في مرحلة الشباب، وهو مظنة الانشغال بالدنيا والحرص على متعها، أما هؤلاء فقد انشغلوا بدينهم منذ صغرهم ليكونوا قدوة ومثلا للشباب المؤمن في كل زمان ومكان، فالفتاء في أهل الكهف: فتاء إيمان وفتاء عقيدة. والحق سبحانه يقول: ﴿ وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا... ﴾.