18.96
لم يكن ذو القرنين رجلا رحالة، يسير هكذا بمفرده، بل مكنه الله من أسباب كل شيء، ومعنى ذلك أنه لم يكن وحده، بل معه جيش وقوة وعدد وآلات، معه رجال وعمال، معه القوت ولوازم الرحلة، وكان بمقدوره أن يأمر رجاله بعمل هذا السد، لكنه أمر القوم وأشركهم معه في العمل ليدربهم ويعلمهم ما داموا قادرين، ولديهم الطاقة البشرية اللازمة لهذا العمل. والحق - تبارك وتعالى - يقول:
لا يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها..
[الطلاق: 7] فما دام ربك قد أعطاك القوة فاعمل، ولا تعتمد على الآخرين لذلك تجد هنا أوامر ثلاثة: أعينوني بقوة، آتوني زبر الحديد، آتوني أفرغ عليه قطرا. زبر الحديد: أي قطع الحديد الكبيرة ومفردها زبرة، والقطر: هو النحاس المذاب، لكن، كيف بنى ذو القرنين هذا السد من الحديد والنحاس؟ هذا البناء يشبه ما يفعله الآن المهندسون في المعمار بالحديد والخرسانة لكنه استخدم الحديد، وسد ما بينه من فجوات بالنحاس المذاب ليكون أكثر صلابة، فلا يتمكن الأعداء من خرقه، وليكون أملس ناعما فلا يتسلقونه، ويعلون عليه. فقوله: ﴿ حتى إذا ساوى بين الصدفين.. ﴾ [الكهف: 96] الصدف: الجانب، ومنه قوله تعالى:
فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها..
[الأنعام: 157] أي: مال عنها جانبا. فمعنى: ساوى بين الصدفين. أي: ساوى الحائطين الأمامي والخلفي بالجبلين: ﴿ قال انفخوا.. ﴾ [الكهف: 96] أي: في الحديد الذي أشعل فيه، حتى إذا التهب الحديد نادى بالنحاس المذاب: ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطرا ﴾ [الكهف: 96] وهكذا انسبك الحديد الملتهب مع النحاس المذاب، فأصبح لدينا حائط صلب عال أملس. لذلك قال تعالى بعدها: ﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه... ﴾.