ومعنى ﴿ أعتدنا ﴾ أي: أعددنا، فالمسألة منتهية مسبقا، فالجنة والنار مخلوقة فعلا ومعدة ومجهزة، لا أنها ستعد في المستقبل، وقد أعدت إعداد قادر حكيم، فأعد الله الجنة لتتسع لكل الخلق إن آمنوا، وأعد النار لتتسع لكل الخلق إن كفروا، فإن آمن بعض الخلق وكفر البعض، فالذي آمن وفر مكانه في النار، والذي كفر وفر مكانه في الجنة. لذلك قال تعالى في هذه المسألة:
وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون
[الزخرف: 72]. إذن: فخلق الله تعالى للجنة وللنار أمر منضبط تماما، ولن يحدث فيهما أزمة أو زحام أبدا، بل لكل مكانه المعد المخصص. وقوله تعالى: ﴿ للظالمين.. ﴾ [الكهف: 29] والظلم أن تأخذ حقا وتعطيه للغير، وللظلم أشكال كثيرة، أفظعها وأعظمها الإشراك بالله، لأنك تأخذ حق الله في العبادة وتعطيه لغيره، وهذا قمة الظلم، ثم يأتي الظلم فيما دون ذلك، فيأخذ كل ظالم من العذاب على قدر ظلمه، إلا أن يكون مشركا. فهذا عذابه دائم ومستمر لا ينقطع ولا يفتر عنه، فإن ظلم المؤمن ظلما دون الشرك فإنه يعذب به، ثم يدخله الله الجنة، إن لم يتب، وإن لم يغفر الله له. وقوله تعالى: ﴿ أحاط بهم سرادقها.. ﴾ [الكهف: 29] السرادق، كما نقول الآن: أقاموا السرادق أي: الخيمة. و معنى سرادق: أي محيط بهم، فكأن الله تعالى ضرب سرادقا على النار يحيط بهم ويحجزهم، بحيث لا تمتد أعينهم إلى مكان خال من النار لأن رؤيته لمكان خال من النار قد توحي إليه بالأمل في الخروج، فالحق سبحانه يريد أن يؤيسهم من الخروج. ثم يقول تعالى: ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وسآءت مرتفقا ﴾ [الكهف: 29]. الاستغاثة: صرخة ألم من متألم لمن يدفع عنه ذلك الألم، كما قال في آية أخرى:
مآ أنا بمصرخكم ومآ أنتم بمصرخي..
[إبراهيم: 22] أي: حين تصرخون من العذاب لا أستطيع أن أزيل صراخكم، وأنتم كذلك لا تزيلون صراخي. فأهل النار حين يستغيثون من ألم العذاب ﴿ يغاثوا ﴾ يتبادر إلى الذهن أنهم يغاثون بشيء من رحمة الله، فتأتيهم نفحة من الرحمة أو يخفف عنهم العذاب.. لا ﴿ يغاثوا بمآء كالمهل.. ﴾ [الكهف: 29] أي: فإن طلبوا الغوث بماء بارد يخفف عنهم ألم النار، فإذا بهم بماء كالمهل. والمهل هو عكارة الزيت المغلي الذي يسمونه الدردي، أو هو المذاب من المعادن كالرصاص ونحوه، وهذا يحتاج إلى حرارة أعلى من غلي الماء، وهكذا يزدادون حرارة فوق حرارة النار، ويعذبون من حيث ينتظرون الرحمة. وقوله تعالى هنا: ﴿ يغاثوا ﴾ أسلوب تهكمي لأن القاعدة في الأساليب اللغوية أن تخاطب المخاطب على مقتضى حاله، فتهنئه حال فرحه، وتعزيه حال حزنه بكلام موافق لمقتضى الحال، فإن أخرجت المقتضى عن الحال الذي يطلبه، فهذا ينافي البلاغة إلا إن أردت التهكم أو الاستهزاء.
إذن: فقوله تعالى عن الكفار: ﴿ وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء كالمهل.. ﴾ [الكهف: 29] تهكم بهم، لأن الكلام فيه خرج عن مقتضى الحال، كما يقول الوالد لولده الذي أخفق في الامتحان: مبارك عليك السقوط. ومعنى: ﴿ يشوي الوجوه.. ﴾ [الكهف: 29] أن الماء من شدة حرارته يشوي وجوههم، قبل أن يدخل أجوافهم: ﴿ بئس الشراب.. ﴾ [الكهف: 29] أي: الذي يغاثون به ﴿ وسآءت مرتفقا ﴾ [الكهف: 29] المرتفق هو الشيء الذي يضع الإنسان عليه مرفقه ليجلس مستريحا، لكن بالله هل هناك راحة في جهنم؟ إذن: فهذه أيضا من التهكم بهم وتبكيتهم، كما قال تعالى مخاطبا جبابرة الدنيا وأعزتها وأصحاب العظمة فيها ممن عصوا الله: ﴿ ذق إنك أنت العزيز الكريم ﴾ [الدخان: 49]. والحق سبحانه وتعالى يتكلم في هذه المسألة بأساليب متعددة، منها استخدام كلمة النزل وهو ما يعد لإكرام الضيف، كما في قوله تعالى:
إن ا ;لذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا