ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا
[الكهف: 23] وهو الذي بلغنا:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك..
[التحريم: 1]. وهو الذي بلغنا في شأن غزوة بدر:
عفا الله عنك لم أذنت لهم..
[التوبة: 43] وغيرها كثير من آيات القرآن لذلك مدحه ربه تعالى بقوله:
وما هو على الغيب بضنين
[التكوير: 24]. حتى في مجال التهديد والوعيد لم يكتم رسول الله من الوحي حرفا واحدا، انظر إلى قوله تعالى:
ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين
[الحاقة: 44-46]. إنها الأمانة المطلقة والصدق الذي لا يخفي شيئا. ألم يكن جديرا بالقوم أن يفقهوا هذه الناحية من رسول الله، ويتفكروا في صدقه صلى الله عليه وسلم حين يخبرهم عن نفسه أشياء لم يعرفوها، وكان من المنتظر أن يخفيها عنهم؟ أليس في ذلك دليلا قاطعا على صدقه فيما يقول؟ والحق تبارك وتعالى حينما يعلمنا أن نقول: إن شاء الله إذا أقدمنا على عمل في المستقبل إنما يكرم عبده ويحميه حتى لا يوصف بالكذب إذا لم يحقق ما وعد به، وليس في قولنا: إن شاء الله حجر على أحد، أو تقييد لطموحات البشر كما يدعي البعض أن قول إن شاء الله يلغي التخطيط للمستقبل. نقول: خطط كما تريد، ودبر من أمرك ما شئت، واصنع من المقدمات ما تراه مناسبا لإنجاح سعيك، لكن ما عليك إن قرنت هذا كله بمشيئة الله، وهي في حد ذاتها عون لك على ما تريد، فإن أخفقت فقد جعلت لنفسك حماية في مشيئة الله، فأنت غير كاذب، والحق تبارك وتعالى لم يشأ بعد أن تنجز ما تسعى إليه.
والحقيقة أن الحدث في المستقبل لا يملكه أحد، ولا يضمنه أحد إلا الله تبارك وتعالى لذلك عليك أن تعلق الفعل على مشيئة الله، فإن قلت مثلا: سأقابل فلانا غدا لأكلمه في كذا، فهل تملك أنت من عناصر هذا الحدث شيئا؟ أضمنت أن تعيش إلى غد؟ أضمنت حياة فلان هذا إلى الغد؟ أضمنت أن موضوع المقابلة باق لا يتغير فيه شيء، ولا يطرأ عليه طارئ؟ إذن: فكيف تقطع بالقول أنك ستفعل غدا كذا؟ قل: إن شاء الله، واخرج من دائرة الحرج هذه. نعود إلى الآية التي نحن بصددها فالحق سبحانه يقول: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا ﴾ [الكهف: 9]. ﴿ أم ﴾ حرف من حروف العطف، ويفيد الإضراب عما قبله وتوجيه الاهتمام إلى ما بعده، كما في قوله تعالى:
قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور..
[الرعد: 16]. فالمراد: إن سألك كفار مكة عن مسألة أصحاب الكهف على أنها معضلة يريدون إحراجك بها، فدعك من كلامهم، ودعك من سوء نيتهم، ولا تحسب أن أهل الكهف هي العجيبة الوحيدة لدينا، فالعجائب عندنا كثيرة، وهذه واحدة منها. و ﴿ الكهف ﴾: الفجوة في الجبل و ﴿ والرقيم ﴾ الشيء المرقوم أي: المكتوب عليه كحجر أو نحوه، ولعله حجر كان على باب الكهف رقم عليه أسماء هؤلاء الفتية، ومن ذلك قوله تعالى:
كتاب مرقوم
[المطففين: 9] أي: مكتوب. وقوله: ﴿ كانوا من آياتنا عجبا ﴾ [الكهف: 9] أي: ليست هذه هي العجيبة الوحيدة، فكل آياتنا عجيبة تستحق التأمل. ثم تأخذ الآيات في تفصيل هذه العجيبة، فيقول تعالى: ﴿ إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنآ ءاتنا من لدنك رحمة... ﴾.