7.203
قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ قالوا لولا اجتبيتها ﴾ يقول: لولا تلقيتها وقال مرة أخرى لولا أحدثتها فأنشأتها، وقال: لولا اقتضيتها، قالوا: تخرجها عن نفسك، واختاره ابن جرير. وقال العوفي عن ابن عباس ﴿ لولا اجتبيتها ﴾ يقول: تلقيتها من الله تعالى: وقال الضحاك ﴿ لولا اجتبيتها ﴾ يقول: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء، ومعنى قوله تعالى: ﴿ وإذا لم تأتهم بآية ﴾ أي معجزة وخارق، كقوله تعالى:
إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين
[الشعراء: 4]، يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم ألا تجهد نفسك في طلب الآيات من الله حتى نراها ونؤمن بها، قال الله تعالى له: ﴿ قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ربي ﴾ أي أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء، وإنما أتبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي، فإن بعثت آية قبلتها، وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها، إلا أن يأذن لي في ذلك فإنه حكيم عليم، ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات وأبين الدلالات وأصدق الحجج والبينات، فقال: ﴿ هذا بصآئر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ﴾.
7.204
لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظاما له واحتراما، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم:
لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه
[فصلت: 26] الآية، ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة، كما روي عن أبي موسى الأشعري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا "
وعن أبي هريرة قال: كانوا يتكلمون في الصلاة فلما نزلت هذه الآية: ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له ﴾ والآية الأخرى أمروا بالإنصات. قال ابن جرير وقال ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة فجاء القرآن: ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ﴾ ، وقال أيضا عن بشير بن جابر قال: صلى ابن مسعود فسمع ناسا يقرأون مع الإمام، فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفهموا أما آن لكم أن تعقلوا: ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ كما أمركم الله. وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة
" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: " هل قرأ أحد منكم معي آنفا "؟ قال رجل: نعم يا رسول الله، قال: " إني أقول ما لي أنازع القرآن "
، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه بالقراءة من الصلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال عبد الله بن المبارك: لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرأون فيما لا يجهر به سرا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرا ولا علانية، فإن الله تعالى قال: ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون ﴾. وهذا مذهب طائفة من العلماء وهو أحد قولي الشافعية، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة، وقال الشافعي في الجديد: يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم.
وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: لا يجب على المأموم قراءة أصلا في السرية ولا الجهرية بما ورد في الحديث:
" من كان له إمام فقراءته قراءة له "
وهذا أصح، وقد أفرد لها الإمام البخاري مصنفا على حدة، واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضا، والله أعلم، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية، يعني في الصلاة المفروضة، وعن مجاهد قال: لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم.
وقال ابن المبارك عن ثابت بن عجلان قال: سمعت ابن جبير يقول في قوله ﴿ وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ﴾ قال: الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة، وهذا اختيار ابن جرير: أن المراد من ذلك الإنصات في الصلاة وفي الخطبة، كما جاء في الأحاديث بالإنصات خلف الإمام وحال الخطبة، وقال الحسن: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: