تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.13-15

يقول تعالى مخاطبا لإبليس بأمر قدري كوني ﴿ فاهبط منها ﴾ أي بسبب عصيانك لأمري وخروجك عن طاعتي فما يكون لك أن تتكبر فيها، قال كثير من المفسرين: الضمير عائد إلى الجنة، ويحتمل أن يكون عائدا إلى المنزلة التي هو فيها في الملكوت الأعلى ﴿ فاخرج إنك من الصاغرين ﴾ أي الذليلين الحقيرين، معاملة له بنقيض قصده ومكافأة لمراده بضده، فعند ذلك استدرك اللعين وسأل النظرة إلى يوم الدين، قال: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون * قال إنك من المنظرين ﴾ أجابه تعالى إلى ما سأل لما له في ذلك من الحكمة والإرادة والمشيئة التي لا تخالف ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب.

7.16-17

يخبر تعالى أنه لما أنظر إبليس

إلى يوم يبعثون

[الأعراف: 14] واستوثق إبليس بذلك أخذ في المعاندة والتمرد، فقال: ﴿ فبمآ أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ﴾ أي كما أغويتني، قال ابن عباس: كما أضللتني، وقال غيره: كما أهلكتني لأقعدن لعبادك الذين تخلقهم من ذرية هذا الذي أبعدتني بسببه على ﴿ صراطك المستقيم ﴾ أي طريق الحق وسبيل النجاة ولأضلنهم عنها لئلا يعبدوك ولا يوحدوك بسبب إضلالك إياي، وقال بعض النحاة: الباء هنا قسمية، كأنه يقول فبإغوائك إياي لأقعدن لهم صراطك المستقيم، قال مجاهد: ﴿ صراطك المستقيم ﴾ يعني الحق، والصحيح أن الصراط المستقيم أعم من ذلك، روى الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" " إن الشيطان قعد لابن آدم بطرقه، فقعد له بطريق الإسلام فقال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك قال فعصاه وأسلم " قال: " وقعد له بطريق الهجرة فقال: أتهاجر وتدع أرضك وسماءك وإنما مثل المهاجر كالفرس في الطول، فعصاه وهاجر، ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهاد النفس والمال، فقال تقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال، قال فعصاه وجاهد " ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فمن فعل ذلك منهم فمات كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة، وإن غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة، أو وقصته دابة كان حقا على الله أن يدخله الجنة " "

وقوله: ﴿ ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ﴾ الآية، قال ابن عباس: ﴿ ثم لآتينهم من بين أيديهم ﴾ أشككهم في آخرتهم ﴿ ومن خلفهم ﴾ أرغبهم في دنياهم ﴿ وعن أيمانهم ﴾ أشبه عليهم أمر دينهم ﴿ وعن شمآئلهم ﴾ أشهي لهم المعاصي، وعنه: أما من بين أيديهم فمن قبل دنياهم، وأما من خلفهم فأمر آخرتهم، وأما عن أيمانهم فمن قبل حسناتهم، وأما عن شمائلهم فمن قبل سيئاتهم، وقال قتادة: أتاهم من بين أيديهم فأخبرهم أنه لا بعث ولا جنة ولا نار، ومن خلفهم من أمر الدنيا فزينها لهم ودعاهم إليها، وعن أيمانهم من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وعن شمائلهم زين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، أتاك يا ابن آدم من كل وجه غير أنه لم يأتك من فوقك، لم يستطع أن يحول بينك وبين رحمة الله.

وقال مجاهد: ﴿ من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم ﴾ من حيث يبصرون، ﴿ ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم ﴾ حيث لا يبصرون، واختار ابن جرير أن المراد جميع طرق الخير والشر، فالخير يصدهم عنه، والشر يحسنه لهم، وقال ابن عباس ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ قال: موحدين، وقول إبليس هذا إنما هو ظن منه وتوهم، وقد وافق في هذا الواقع كما قال تعالى:

ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين

[سبأ: 20]، ولهذا ورد في الحديث: الاستعاذة من تسلط الشيطان على الإنسان كما قال الحافظ البزار. عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو:

" اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بك اللهم أن أغتال من تحتي "

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٥٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٥٦٧