39.75
لما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار، وأنه نزل كلا في المحل الذي يليق به ويصلح له، وهو العادل في ذلك الذي لا يجور، أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول العرش المجيد، يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه، ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد فصل القضية وقضى الأمر وحكم بالعدل، ولهذا قال عز وجل: ﴿ وقضي بينهم ﴾ أي بين الخلائق ﴿ بالحق ﴾ ، ثم قال ﴿ وقيل الحمد لله رب العالمين ﴾ أي نطق الكون أجمعه، ناطقه وبهيمه، لله رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد. قال قتادة: افتتح الخلق بالحمد في قوله:
الحمد لله الذي خلق السموت والأرض
[الأنعام: 1]، واختتم بالحمد في قوله تبارك وتعالى: ﴿ وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ﴾.
40 - سورة غافر
40.1-3
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا.
وقوله تعالى: ﴿ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ﴾ ، أي تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن من الله ذي العزة والعلم فلا يرام جنابه، ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه، وقوله عز وجل: ﴿ غافر الذنب وقابل التوب ﴾ أي يغفر ما سلف من الذنب ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه، وخضع لديه، وقوله جل وعلا ﴿ شديد العقاب ﴾ أي لمن تمرد وطغى، وآثر الحياة الدنيا، وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى، وهذه كقوله:
نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم * وأن عذابي هو العذاب الأليم
[الحجر: 49-50] يقرن هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين الرجاء والخوف، وقوله تعالى: ﴿ ذي الطول ﴾ قال ابن عباس: يعني السعة والغنى، وقال يزيد بن الأصم ﴿ ذي الطول ﴾ يعني الخير الكثير، وقال عكرمة: ذي المن، وقال قتادة: ذي النعم والفواضل، والمعنى أنه المتفضل على عباده، المتطول عليهم بما هم فيه من المنن والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها،
وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها
[إبراهيم: 34] الآية، وقوله جلت عظمته: ﴿ لا إله إلا هو ﴾ أي لا نظير له في جميع صفاته فلا إله غيره ولا رب سواه، ﴿ إليه المصير ﴾ أي المرجع والمآب، فيجازي كل عامل بعمله، وقال أبو بكر بن عياش: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إني قتلت فهل لي من توبة؟ فقرأ عمر رضي الله عنه: ﴿ حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ﴾ ، وقال: اعمل ولا تيأس، وعن يزيد بن الأصم قال: كان رجل من أهل الشام ذو بأس، وكان يفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ففقده عمر فقال: ما فعل فلان ابن فلان؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب، قال، فدعا عمر كاتبه، فقال: اكتب " من عمر بن الخطاب إلى فلان ابن فلان: سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو إليه المصير " ، ثم قال لأصحابه: ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه ويتوب الله عليه، فلما بلغ الرجل كتاب عمر رضي الله عنه جعل يقرأه ويردده ويقول: غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب، قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي، فلم يزل يرددها على نفسه، ثم بكى، ثم نزع فأحسن النزع، فلما بلغ عمر خبره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه ووثقوه، وادعوا الله له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه.