7.100
قال ابن عباس المعنى: أولم يتبين لهم أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم، وقال ابن جرير في تفسيرها: أو لم يتبين للذين يستخلفون في الأرض من بعد إهلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها فساروا سيرتهم، وعملوا أعمالهم، وعتوا على ربهم ﴿ أن لو نشآء أصبناهم بذنوبهم ﴾ يقول: أن لو نشاء فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم، ﴿ ونطبع على قلوبهم ﴾ يقول: ونختم على قلوبهم، ﴿ فهم لا يسمعون ﴾ موعظة ولا تذكيرا. وهكذا قال تعالى:
أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم
[طه: 128]، وقال:
أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال
[إبراهيم: 44]، وقال تعالى:
وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا
[مريم: 98] أي هل ترى لهم شخصا أو تسمع لهم صوتا؟ وقال تعالى:
ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير
[الملك: 18] وقال تعالى:
فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد
[الحج: 45] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حلول نقمه بأعدائه، وحصول نعمه لأوليائه، ولهذا عقب ذلك بقوله وهو أصدق القائلين.
7.101-102
لما قص تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم خبر قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب وما كان من إهلاكه الكافرين وإنجائه المؤمنين وأنه تعالى أعذر إليهم بأن بين لهم الحق بالحجج على ألسنة الرسل صلوات الله عليهم أجمعين، قال تعالى: ﴿ تلك القرى نقص عليك ﴾ أي يا محمد ﴿ من أنبآئها ﴾ أي من أخبارها، ﴿ ولقد جآءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي الحجج على صدقهم فيما أخبروهم به، كما قال تعالى:
وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
[الإسراء: 15]، وقال تعالى:
ذلك من أنبآء القرى نقصه عليك منها قآئم وحصيد
[هود: 100]، وقوله تعالى: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ﴾ الباء سببية أي فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أول ما ورد عليهم، كقوله:
وما يشعركم أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون
[الأنعام: 109]، ولهذا قال هنا: ﴿ كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين * وما وجدنا لأكثرهم ﴾ أي لأكثر الأمم الماضية ﴿ من عهد وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين ﴾ أي ولقد وجدنا أكثرهم فاسقين، خارجين عن الطاعة والامتثال. والعهد الذي أخذه هو ما جبلهم عليه وفطرهم عليه، وأخذ عليهم في الأصلاب أنه ربهم ومليكهم، فخالفوه وتركوه وراء ظهورهم، وعبدوا مع الله غيره بلا دليل ولا حجة، لا من عقل ولا شرع.
قال تعالى:
وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون
[الزخرف: 45]؟ وقال تعالى:
ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت
[النحل: 36]. إلى غير ذلك من الآيات، وقد قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ﴾ ، عن أبي بن كعب قال: كان في علمه تعالى يوم أقروا بالميثاق، أي فما كانوا ليؤمنوا لعلم الله منهم ذلك، واختاره ابن جرير، وقال السدي: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ﴾ قال: وذلك يوم أخذ منهم الميثاق فآمنوا كرها. وقال مجاهد في قوله: ﴿ فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل ﴾ ، هذا كقوله:
ولو ردوا لعادوا
[الأنعام: 28] الآية.