تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7.188

أمره الله تعالى أن يفوض الأمور إليه وأن يخبر عن نفسه أنه لا يعلم الغيب المستقبل ولا اطلاع له على شيء من ذلك إلا بما أطلعه الله عليه، كما قال تعالى:

عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا

[الجن: 26] الآية، وقوله: ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾ قال مجاهد: لو كنت أعلم متى أموت لعملت عملا صالحا، والأحسن في هذا ما رواه الضحاك عن ابن عباس ﴿ ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير ﴾: أي من المال، وفي رواية: لعلمت إذا اشتريت شيئا ما أربح فيه، فلا أبيع شيئا إلا ربحت فيه، ولا يصيبني الفقر. وقال ابن جرير: وقال آخرون: معنى ذلك لو كنت أعلم الغيب لأعددت للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص، فاستعددت له من الرخص، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ﴿ وما مسني السوء ﴾ قال: لاجتنبت ما يكون من الشر أن يكون واتقيته، ثم أخبر أنه هو نذير وبشير، أي نذير من العذاب وبشير للمؤمنين بالجنات، كما قال تعالى:

فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا

[مريم: 97].

7.189-190

ينبه تعالى على أنه خلق جميع الناس من آدم عليه السلام وأنه خلق منه زوجته حواء، ثم انتشر الناس منهما، كما قال تعالى:

يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى

[الحجرات: 13] الآية، وقال تعالى:

يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها

[النساء: 1] الآية، وقال في هذه الآية الكريمة: ﴿ وجعل منها زوجها ليسكن إليها ﴾ ليألفها ويسكن بها، كقوله تعالى:

ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة

[الروم: 21] فلا ألفة أعظم مما بين الزوجين، ولهذا ذكر تعالى أن الساحر ربما توصل بكيده إلى التفرقة بين المرء وزوجه، ﴿ فلما تغشاها ﴾ أي وطئها ﴿ حملت حملا خفيفا ﴾ وذلك أول الحمل لا تجد المرأة له ألما إنما هي النطفة ثم العلقة ثم المضغة، وقوله: ﴿ فمرت به ﴾ ، قال مجاهد: استمرت بحمله، وقال أيوب سألت الحسن عن قوله: ﴿ فمرت به ﴾ قال: لو كنت رجلا عربيا لعرفت ما هي، إنما هي: فاستمرت به، وقال قتادة: ﴿ فمرت به ﴾: استبان حملها، وقال العوفي عن ابن عباس: استمرت به فشكت أحملت أم لا، ﴿ فلمآ أثقلت ﴾ أي صارت ذات ثقل بحملها، وقال السدي: كبر الولد في بطنها، ﴿ دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا ﴾ أي بشرا سويا، كما قال الضحاك عن ابن عباس: أشفقا أن يكون بهيمة. وقال الحسن البصري: لئن آتيتنا غلاما لنكونن من الشاكرين ﴿ فلمآ آتاهما صالحا جعلا له شركآء فيمآ آتاهما فتعالى الله عما يشركون ﴾. ذكر المفسرون ههنا آثارا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها.

قال الإمام أحمد في " مسنده " عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه (عبد الحارث) فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره "

قال ابن جرير عن الحسن ﴿ جعلا له شركآء فيمآ آتاهما ﴾ قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم، وعن قتادة قال كان الحسن يقول: هم اليهود رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا، وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، وعن ابن عباس قال: كانت حواء تلد لآدم عليه السلام أولادا فيعبدهم لله ويسميهم عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك، فيصيبهم الموت، فأتاهما إبليس فقال: إنكما لو سميتماه بغير الذي تسميانه به لعاش، قال فولدت له رجلا فسماه عبد الحارث، ففيه أنزل الله يقول: ﴿ هو الذي خلقكم من نفس واحدة ﴾ إلى قوله ﴿ جعلا له شركآء فيمآ آتاهما ﴾ إلى أخر الآية، وعنه قال: أتاهما الشيطان فقال: هل تدريان ما يولد لكما! أم هل تدريان ما يكون أبهيمة أم لا؟ وزين لهما الباطل، وقد كانت قبل ذلك ولدت ولدين فماتا، فقال لهما الشيطان: إنكما إن لم تسمياه بي لم يخرج سويا ومات، كما مات الأول، فسميا ولدهما عبد الحارث، فذلك قول الله تعالى: ﴿ فلمآ آتاهما صالحا جعلا له شركآء فيمآ آتاهما ﴾ الآية.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٦٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٦٣٧