تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى ابن أبي حاتم عن أبي بن كعب قال: لما حملت حواء أتاها الشيطان فقال لها: أتطيعيني ويسلم لك ولدك؟ سميه عبد الحارث، فلم تفعل، فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل، ثم حملت الثالثة فجاءها فقال: إن تطيعيني يسلم، وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبها فأطاعا، وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه الله في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق (آدم وحواء) وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته، ولهذا قال الله: ﴿ فتعالى الله عما يشركون ﴾ مذكر آدم وحواء أولا كالتوطئة لما بعدهما من الوالدين، وهو كالاستطراد من ذكر الشخص إلى الجنس كقوله:

ولقد زينا السمآء الدنيا بمصابيح

[الملك: 5] الآية، ومعلوم أن المصابيح وهي النجوم التي زينت بها السماء ليست هي التي يرمى بها، وإنما هذا استطراد من شخص المصابيح إلى جنسها، ولهذا نظائر في القرآن، والله أعلم.

7.191-198

هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئا من الأمر، ولا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم، ولهذا قال: ﴿ أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ﴾ أي أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئا ولا يستطيع ذلك، كقوله تعالى:

إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب

[الحج: 73] أخبر تعالى أن آلهتهم لو اجتمعوا كلهم ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو سلبتهم الذبابة شيئا من حقير المطاعم وطارت لما استطاعوا إنقاذه منها، فمن هذه صفته وحاله كيف يعبد ليرزق ويستنصر؟ ولهذا قال تعالى:

لا يخلقون شيئا وهم يخلقون

[النحل: 20] أي بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل:

أتعبدون ما تنحتون

[الصافات: 95] الآية، ثم قال تعالى: ﴿ ولا يستطيعون لهم نصرا ﴾ أي لعابديهم ﴿ ولا أنفسهم ينصرون ﴾ يعني ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل عليه الصلاة والسلام يكسر أصنام قومه ويهينها غاية الإهانة كما أخبر تعالى عنه في قوله:

فراغ عليهم ضربا باليمين

[الصافات: 93]، وقال تعالى:

فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون

[الأنبياء: 58]، وكما كان (معاذ بن عمرو بن الجموح) و (معاذ بن جبل) رضي الله عنهما، وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ليرتأوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح، وكان سيدا في قومه، صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء (عمرو بن الجموح) فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك ويعود إلى صنيعه أيضا، حتى أخذاه مرة فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح، ورأى ذلك نظر، فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل وقال:

تالله لو كنت إلها مستدن

لم تك والكلب جميعا في قرن

ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدا رضي الله عنه وأرضاه وجعل جنة الفردوس مأواه. وقوله: ﴿ وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم ﴾ الآية، يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها كما قال إبراهيم:

يأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا

[مريم: 42]، ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها أي مخلوقات مثلهم، بل الأناس أكمل منها، لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئا من ذلك.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ٦٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ٦٣٨